الجزء الخمسون: التهيؤُ للإعلان الكبير

الفصل الأربعمئة وستة: الأيام التي صار فيها الصمت عملًا

⏱ 1 دقيقة للقراءة 📖 0 كلمة
الفصل الأربعمئة وستة: الأيام التي صار فيها الصمت عملًا

بعد المجلس الذي دخلت فيه عبارة “الإعلان الكبير” من الهامش إلى الصريح،
لم يتحول البيت إلى خلية ضجيج،
ولا إلى موكب انتظار،
ولا إلى مجالس تتكلم عن اللحظة كما يتكلم الناس عن عرسٍ اقترب.

بل حدث شيءٌ آخر،
أهدأ في صورته،
وأخطر في معناه:

صار الصمت نفسه عملاً.

كل واحدٍ من البيت والدائرة عرف أن الكلام الزائد في هذه المرحلة قد يفسد ما بناه الصبر في سنين.
فالكلمات إذا سبقت الحدث الكبير،
ربما أشبعت الناس من صورته قبل أن يجيء،
وربما أثارت خصومهم إلى ضربةٍ يريدون بها أن يخلطوا التوقيت،
وربما أفسدت قلوبًا صغيرة بحماسةٍ لا تطيق ما بعدها.

ولهذا،
دخل الجميع في نوعٍ جديد من الانضباط.

سعيد قلّ كلامه أكثر مما اعتاده أهله،
لكن من ينظر في عينيه يعرف أن عقله لا يهدأ لحظة.
كان يزن:
مواضع العلماء،
واستعداد النواحي،
ومدى ثبات الأسواق،
ومزاج المدينة،
وتوقيت خروج بعض الأبواب الرفيعة،
والقدر الذي ينبغي أن يسبق الإعلان أو يتأخر عنه.

أما عبد الملك،
فلم يكثر الظهور،
ولم يختفِ كذلك.
بل صار يظهر بقدرٍ محسوب،
في الموضع الذي يحتاج وجوده،
ثم يعود سريعًا إلى دوائر الترتيب.
كان سعيد قد قال له:

— أخطر ما في هذه الأيام أن تحبّ صورة اللحظة القادمة،
فتبدأ تعيشها قبل أن تأتي.
وأنا لا أريدك أن تعيش الإعلان قبل الإعلان.
أريدك أن تعيش التهيؤ له.
وهذا أصعب.

وكان عبد الملك يفهم.
لذلك،
كلما شعر في داخله بشيءٍ من الشوق إلى أن تُقال الكلمة الكبرى،
عاد إلى سؤال نفسه:
هل المدينة مستعدة؟
هل الناحية الثانية لن تتراجع؟
هل العلماء يملكون اللسان الصحيح؟
هل النساء يملكن الفهم الكافي؟
هل السوق يثبت إذا اضطربت الأسعار ثلاثة أيام؟
هل الطريق بين القلب والأطراف محروس بما يكفي؟
هل بخارستان دخلت على صورة السند لا الثقل؟
هل أحمد يقترب من موضعه على الوجه الذي يزيد الرواية روحًا لا زينة؟
هل باب فاطمة سيخرج في توقيتٍ يزيد المعنى ولا يشوشه؟

هذه الأسئلة كانت تحفظه من أن ينام على فكرة نفسه.

أما صفية،
فكانت تعرف أن أخطر ما في لحظات التهيؤ الكبرى
أن يختلّ إيقاع البيت.
فقد يظن الناس أن ما يجري في الخارج هو كل شيء،
لكنها كانت تدرك أن الإعلان الكبير لا يخرج من بيتٍ مكسور الإيقاع.
بيتٌ تضطرب فيه النساء،
أو يتسابق فيه الرجال إلى الظلال والضوء،
أو تُهمل فيه الأرواح الصغيرة لأن الجميع مشغول بالمرحلة.

ولهذا،
شدّت البيت شدًّا عجيبًا.
الصغير في موضعه.
والكبير في موضعه.
والحديث لا يزيد على ما ينبغي.
والدعاء لا ينقص.
والوجبات لا تضطرب كأن أهل البيت دخلوا زمنًا فوق الحياة.
والزوار يُستقبلون بقدر،
ولا يُتركون يلتقطون من البيت ما لا يجوز أن يخرج قبل أوانه.

وفي إحدى الليالي،
قالت لمريم:
— تذكري هذا جيدًا:
إذا اقتربت الأقدار الكبرى،
كان من أصدق ما يحفظها أن يبقى الخبز على النار،
والبيت نظيف الإيقاع،
والصلاة في وقتها،
والناس لا يشعرون أن الدنيا خرجت عن ترتيب الله.
فإن بعض البيوت إذا اقتربت منها اللحظة،
تصرفت كأنها فوق السنن.
وهذا أول خللها.

فهمت مريم،
وكانت هذه الكلمات من النوع الذي يربّي من سيأتي بعد.