الفصل الأربعمئة واثنان: أحمد يطهر الباب بالصمت
أما أحمد،
فقد كان موضعه أشد حساسيةً في هذه الشائعة.
لأن الحرم لا يحتمل كثيرًا من الكلام الدنيوي حول من يقفون فيه،
والناس إذا أحبوا ربط الأحداث في الخارج بما يجري في المقدسات،
ربما ظلموا الجميع بتفسيراتهم.
وصل إلى أحمد طرفٌ من الهمس.
ليس مباشرةً ربما،
لكن بقدرٍ يكفي ليعلم أن ثمة من بدأ يقول:
إن البيت يدفع نفسه في كل جهة مرة واحدة.
ولم يذهب إلى الدفاع عن نفسه.
بل فعل ما يفعله الصادقون حين يخافون على الباب أن يُلوثوه بردودهم:
زاد صمتًا،
وزاد عملًا.
قلت رسائله قليلًا.
واختصر لقاءاته.
وزاد في تهجده.
وصار إذا قُدّم في قراءةٍ أو موضع،
لا يظهر عليه شيءٌ من استدعاء الوجاهة،
بل شيءٌ من الانكسار الجميل الذي يطمئن القلوب.
لاحظ شيخه ذلك،
فقال له:
— يبدو أن الريح وصلت إليك.
خفض أحمد بصره، وقال:
— يكفيني أن أعلم أن شيئًا من العالم قد يلوث هذا الباب إن لم أحفظ نفسي.
فقال الشيخ:
— وأحسن ما فعلت.
ثم أضاف:
— اعلم أن أعظم ردّ على من يسيء الظن بأهل الصلاح
هو أن تزداد صلاحًا لا شرحًا.
فإن الله يبرئ الأبواب بالسكينة الصادقة أكثر مما يبرئها الناس بالجدال.
ثم قال له:
— لكن لا تجعل هذا الصمت انعزالًا مريضًا.
بل اجعله تطهيرًا.
وإذا وقفت،
فقف كما كنت:
عبدًا بين يدي الله،
لا ممثلًا لبيتٍ يريد أن يردّ على الناس.
ومنذ ذلك الحين،
صار أحمد — من غير أن يقصد —
أبلغ ردٍّ على الشائعة من جهة الحرم.
كلما سمعه الناس ووجدوا في صوته صدقًا لا تصنع فيه،
ضعف تفسيرهم السوقي لما يجري حوله.
وهكذا،
لم يُحفظ باب الحرم بالكلام،
بل بالخشوع.