الفصل الثلاثمئة والخامس والتسعون: الضفة التي كانت تنتظر
بعد أن دخلت تلك الناحية الأولى في العهد،
ظهر على الضفة الأخرى — مجازًا وحقيقةً — موضعٌ جديد.
كان هناك طرفٌ من البوسنة،
أو مدينةٌ أصغر،
أو إقليمٌ محدود،
ينظر طويلًا،
لكنه لم يتحرك بعد.
ليس لأنه لا يريد،
بل لأنه من النوع الذي لا يتخذ قراره إلا إذا رأى أن ما يقع ليس صدفةً ولا تجربةً ناجحة في موضعٍ دون غيره.
وقد كان خصوم عبد الملك يعتمدون على هذه المواضع الصامتة.
فهي إن بقيت مترددة،
أمكنهم أن يقولوا:
ما ترونه في المدينة والناحية الأولى أثرُ ظرفٍ استثنائي،
أما البلاد الحقيقية فلا تزال في يدنا.
لكن إن بدأت هذه الضفاف تدخل واحدةً بعد واحدة،
فقد صار المشهد كله مختلفًا.
وصلت إلى عبد الملك رسالة من أحد وجوه تلك الضفة.
كانت الرسالة مقتصدة،
لكنها تحمل جملةً كفت لتجعله يفهم أن الزمن تحرك فيها:
“لقد طال صمتنا،
ولم يعد الصمت يحمينا كما كان.
فإن كنتم تنظرون إلينا،
فأرسلوا من يفهمنا لا من يبهرنا.”
ناول الرسالة لأبيه.
قرأها سعيد،
ثم قال:
— هذه من أجمل الرسائل.
— لماذا؟
— لأنها لا تطلب عرض قوة،
بل تطلب فهمًا.
وهذا يعني أن أهلها تعبوا من الخداع،
وصاروا يطلبون عقلًا قبل أن يطلبوا راية.
ثم التفت إلى عبد الملك:
— لا تذهب أنت أولًا.
أرسل إليهم من يفهمهم،
فإن استجابوا،
اذهب بعد ذلك بما يليق.
فبعض المواضع تفسد إذا دخلها الاسم قبل الفهم.
قال:
— ومن ترى؟
قال:
— محمد أولًا من جهة العلماء،
ثم رجل من السوق يعرف كيف يكلم أهل المصالح،
ثم من النساء من يصل إلى بيوتهم على قدر،
ثم بعد ذلك أنت.
وكان هذا الترتيب في غاية الحكمة.
لأن البلاد لا تُفتح جميعها على بابٍ واحد.
وهكذا،
بدأت الضفة التي كانت تنتظر ان تتحرك.