الفصل الثلاثمئة والسادس والثمانون: باب فاطمة يخرج من الصمت
جاء اليوم الذي لم يعد فيه باب فاطمة قابلًا لأن يبقى في صمت البيوت الخاصة.
لم يكن إعلانًا للعامة بعد على صورة الاحتفال،
لكنّه كان خروجًا من الهمس إلى الاعتراف الموقر.
وصل إلى البيت وفدٌ صغير من الجهة السعودية،
فيه امرأة رفيعة القدر،
ومعها من يمثّل البيت على وجهٍ لا لبس فيه.
لم يكن الحضور صاخبًا،
بل دخلوا كما تدخل الأقدار الكبيرة إذا كانت تربّت طويلًا في الحياء والهيبة.
هيأت صفية المجلس بنفسها.
لا بما يلفت الأبصار من الزينة،
بل بما يليق ببيتٍ يريد أن يحفظ المعنى قبل الصورة.
وكان في الجلسة سعيد،
وفي طرفها فاطمة لا تتقدم أكثر مما يجب،
ولا تتأخر حتى تضيع عنها اللحظة.
تكلمت المرأة الرفيعة أولًا،
وقالت بصوتٍ فيه من الوقار ما يجعل الكلمات أثقل من هيئتها:
— لم نأتِ اليوم لأننا نستطلع قلبًا بعد أن كان قد استطلع.
ولا لأننا نفتح بابًا لم يتهيأ.
بل أتينا لنضع بين أيديكم ما استقر في قلوبنا وبيوتنا:
أن هذه الفتاة الكريمة،
إن رضيتم ورضيت،
فهي عندنا موضع ترحيب وكرامة ومقام.
لم تكثر الكلمات بعد ذلك.
فالأبواب الكبيرة إذا بلغت موضعها،
لم تحتج إلى الإسراف في البيان.
لكن صفية رأت في وجه ابنتها شيئًا لم تره من قبل:
رأت أن الطفلة التي كانت تمشي في ظلّ البيت،
صارت الآن تقف على عتبة بيتٍ آخر،
وسيكون في وقفتها هذه أثر على بيتين،
وربما على مرحلتين من التاريخ.
وحين خلا لها المجلس مع ابنتها بعد خروج الضيفات،
لم تحتضنها صفية باكياً كما في القصص البسيطة،
بل أمسكت يدها وقالت:
— من اليوم،
لا تعودي تنظرين إلى هذا الأمر على أنه احتمالٌ جميل.
لقد صار بابًا مفتوحًا.
وربما بعد حين لا يعود اسمك يُذكر في هذا البيت فقط،
بل في بيوتٍ ومجالس تعرف أن ما وراءك قصةً أكبر من فتاةٍ تُخطب.
ثم أضافت:
— فاحفظي قلبك من شيئين:
أن يسرقه الفرح من الوقار،
أو يسرقه الخوف من الحمد.
أطرقت فاطمة،
وقالت:
— أشعر أنني أقف بين حياتين.
فقالت صفية:
— نعم.
والمرأة الكريمة لا تدخل الحياة الثانية وهي تنكر الأولى،
بل تدخلها وهي تحمل الأولى في أصلها،
وتنضج بها.
ومنذ ذلك اليوم،
لم يعد باب فاطمة شأنًا مؤجلًا،
بل صار خيطًا ظاهرًا في نسيج الرواية كلِّها.