الفصل الثلاثمئة والخامس والثمانون: الاسم الذي لم يعد يُقال على سبيل الرجاء
بعد تلك الليلة التي قال فيها سعيد لابنه إنه يتهيأ لأن يكون رجل بوسنته القادمة،
لم يعد عبدالملك يسمع اسمه كما كان يسمعه من قبل.
كان في الماضي يخرج من أفواه الناس على هيئة أمل:
رجلٌ صالح.
وجهٌ يُطمأن إليه.
قلبٌ قوي.
عدلٌ نرجوه.
أما الآن،
فقد بدأ يخرج على هيئةٍ أخرى أخطر وأثقل:
رجلٌ تُبنى عليه الحسابات.
ورجلٌ تُغيِّر الأسواق مواعيدها لأجل حضوره أو كلمته.
ورجلٌ يؤخر عالمٌ سفره حتى يسمع ما سيقوله في أمرٍ يخصّ البلاد.
ورجلٌ تتساءل النساء في البيوت:
إذا استمر هذا، فكيف ستكون حياة أولادنا بعد خمس سنين لا بعد أسبوع؟
وهذا التحول، في نظر سعيد،
كان هو العلامة الفاصلة بين المحبوب،
وبين من بدأ يصير مرجعًا للحياة العامة.
خرج عبدالملك في صباحٍ إلى السوق،
فوجد أن بعض الناس لا يسلّمون عليه فقط،
بل ينظرون إليه كما ينظر المرء إلى رجلٍ يحمل بين يديه شيئًا من غده.
وفي الجامع،
لم يعد بعض العلماء يسألونه عن حادثةٍ مفردة فحسب،
بل عن السياسة التي ينبغي أن تُبنى عليها العلاقة بين المدينة وما حولها.
وفي مجالس الرجال،
صاروا يقولون له:
— إذا كان هذا هو بابك في المدينة،
فكيف ترى باب البلاد؟
وكان هذا كله يثقله.
عاد إلى أبيه في ليلةٍ هادئة،
وقال:
— أشعر أن الناس لم يعودوا يسألونني كما كانوا.
— كيف؟
— كانوا من قبل يسألون:
هل تفعل؟
أما الآن،
فأشعر أنهم يسألون:
كيف نرتب أنفسنا عليك؟
نظر إليه سعيد طويلًا،
ثم قال:
— وهذه هي النقلة التي لا يشعر بها كثير من الرجال إلا بعد أن يفسدهم أثرها.
لأن المحبة إذا صارت مرجعًا،
دخلت على صاحبها فتنتان:
فتنة أن يظن أن الناس إنما انتظموا عليه لشخصه،
وفتنة أن يخاف من ثقلهم فيهرب إلى مسافةٍ باردة.
ثم أضاف:
— وأنت لا يجوز لك أن تقع في واحدة منهما.
لا تتكبر بما حملوك،
ولا تهرب منهم خوفًا من حملهم.
كن بينهم رجلًا يعرف أن الله هو الذي ساق القلوب،
وأن القلوب نفسها قد تُبتلى به كما يُبتلى هو بها.
وسكت،
ثم قال:
— والمرحلة القادمة لن ترحم من لا يفهم هذا.