الفصل الثلاثمئة والثمانون: المجلس الذي لم يكن للمدينة وحدها
اقترح سعيد أن يُعقد مجلسٌ جديد،
لكن لا في قلب المدينة وحدها،
ولا في الرقعة الأولى،
بل في موضعٍ يتوسط الجهات،
حتى يشعر من يأتي من الأطراف أنه لم يدخل على المدينة كضيف،
بل دخل على معنى البلاد وهو يتشكل.
اختير موضع واسع قريب من طريقٍ رئيسي،
تحيط به الأرض من جهات،
وفيه بناءٌ بسيط أو ساحةٌ صالحة،
لا تُشعر الناس أنهم في قصر،
ولا تردهم إلى خشونة البدايات الأولى.
وحين جاء اليوم،
لم يكن المجلس شبيهًا بما قبله.
هنا،
لم يجتمع فقط أهل القلب،
بل اجتمع من حوله من أطرافٍ بدأت تريد أن تُدخل نفسها في الإيقاع الجديد:
وجوهٌ من قرى بعيدة،
وشيوخٌ من مساجد لم تدخل بعد في دائرة التأثير المباشر،
وتجارٌ من أسواق صغيرة يخافون أن يبقوا وحدهم أمام جباة السلطان،
ورجالٌ من الطرق يعرفون أن من يملك الطريق يملك نصف البلاد،
ومعهم علماءٌ يفهمون أن الفقه إذا بقي محصورًا في المدينة صار جميلاً لكنه ناقص.
جلس سعيد،
لكن حضوره هذه المرة كان أبعد في رمزيته من أي وقت مضى.
لم يعد هو المتكلم الأول الذي يهيئ للناس الرجل،
بل صار الرجل الذي يشهد انتقال ما ربّاه إلى مرحلةٍ جديدة.
أما عبدالملك،
فجلس في موضعه لا كحاكم مدينة،
بل كمن يُسأل عن بلاد بدأت تقترب من أن تنطق به.
بدأ المجلس بكلمةٍ قصيرة من سعيد:
— أيها الناس،
ما جمعناكم اليوم لنقول إن كل شيءٍ قد تم،
ولا لنطلب منكم أن تدخلوا فيما لا تعرفون ثمنه،
بل لنسمع منكم،
ولنقول لكم بوضوح:
إن ما بدأ في قلب البلاد ليس ملكًا لقلبها وحده إن صدق،
ولا يجوز أن يبقى حبيسها إن احتاجه غيرها.
ثم أشار إلى عبدالملك،
فوقف.
كان في وقوفه هذه المرة شيءٌ مختلف.
ليس ثقل المدينة،
ولا حرارة البيعة الأولى،
بل سعةُ أفقٍ بدأت تتشكل في صوته نفسه.
قال:
— يا أهل البوسنة…
ما اجتمعنا اليوم لأن مدينةً قالت نعم،
ولا لأن سوقًا استقام،
ولا لأن جامعًا استرد لسانه.
بل اجتمعنا لأن هذه البلاد — من أطرافها إلى قلبها —
بدأت تسأل السؤال نفسه:
هل نبقى متفرقين في خوفنا،
أم ندخل في عهدٍ واحد يشدّ بعضنا إلى بعض؟
ثم سكت قليلًا،
وجعل للصمت حقه،
وأردف:
— وأنا لا أقول لكم: ادخلوا جميعًا الآن.
فإن الدخول إلى العهد ليس كلمةً تقال في ساعةٍ ثم يُنسى ثمنها.
لكنني أقول:
لا تقفوا بعد اليوم في الموضع الذي لا هو مع العدل ولا هو مع الظلم.
فإن هذا الموضع،
وإن بدا سلامةً للمتردد،
فهو في الحقيقة الباب الذي يدخل منه الخراب إلى البلاد قطعةً قطعة.
ثم تكلم بلغةٍ لم تعد تخص المدينة وحدها:
— من أراد أن يلحق بالأثر،
فليأتِ من بابه:
بسوقٍ يريد ميزانًا،
أو جامعٍ يريد لسانًا،
أو حيٍّ يريد ليله آمنًا،
أو قريةٍ تريد أن لا تُؤكل وحدها.
ونحن لا نعد أحدًا بما لا نقدر عليه،
لكننا كذلك لا نترك من صدق معنا وحده بعد اليوم.
هذه العبارة الأخيرة وقعت في القلوب وقوع الحجر في الماء الساكن.
لأن كثيرًا من الحاضرين لم يكونوا يريدون شعرًا ولا حماسة،
بل يريدون أن يعرفوا:
إذا اقتربنا،
فهل نُترَك إذا اشتد الرد؟
وحين انتهى،
لم يكن الأثر هتافًا عظيمًا،
بل ظهور شيءٍ أعمق:
أن كثيرًا من الذين حضروا خرجوا وهم يعرفون أن السؤال لم يعد:
هل لهذا الرجل شأن؟
بل صار:
كيف نلتحق به على وجهٍ لا يفسدنا ولا يضيعه؟
وهذا هو أول اعترافٍ منظم من البلاد،
لا من المدينة فقط.