الجزء الثالث والأربعون: حين اتّسع الأفق

الفصل الثلاثمئة والرابع والستون: فاطمة بين الهيبة والحياء

⏱ 1 دقيقة للقراءة 📖 0 كلمة
الفصل الثلاثمئة والرابع والستون: فاطمة بين الهيبة والحياء

أما فاطمة،
فقد صار أمرها في تلك الأيام أقرب إلى الوضوح من أي وقتٍ مضى.

لم يعد الحديث يدور في مستوى الرضا والميل والرسائل الرفيعة فقط،
بل بدأت ترتيباتٌ أدقّ تُذكر،
وأسماءٌ معينة في البيت السعودي تعلم،
وطبيعةُ الإعلان المقيد في الدوائر الرفيعة تُناقش.

وكانت صفية تزداد اهتمامًا بكل تفصيلٍ يتعلق بابنتها،
لكن من حيث لا يراه كثير من الناس.

لم تكن تشغلها هيئة الثياب بقدر ما يشغلها كيف ستجلس فاطمة إذا جلست بين نساءٍ اعتدن القصور والمجالس الرفيعة.
ولا يشغلها أيُّ جوهرة ستلبسها بقدر ما يشغلها كيف ستحفظ لسانها إذا كثرت من حولها الأسئلة والكلمات والوجوه التي تقيس الناس بما وراءهم من تاريخ ونفوذ.

جلست معها ليلة،
وقالت:

— يا ابنتي،
الحياء الذي ربيناكِ عليه لا أريد له أن يذوب إذا دخل عليكِ الضوء،
لكنني كذلك لا أريده أن يتحول إلى ضعفٍ يضيع فيه حقكِ وصوتكِ وموضعكِ.
فأنتِ لا تدخلين بيتًا لتكوني ظلًا،
ولا لتكوني حربًا.
بل لتكوني امرأة تعرف متى تتكلم،
ومتى تصمت،
ومتى تحفظ،
ومتى تنصح.

قالت فاطمة:
— وأخاف أن أخطئ في الموضع الذي لا يتكرر.
قالت صفية:
— ولهذا،
من الآن،
اجعلي في نفسك قاعدةً لا تخونك:
إذا لم تعرفي ماذا تقولين،
فقولي الأقل.
وإذا لم تعرفي كيف تدخلين مجلسًا،
فادخليه بعين تسمع أكثر مما تنظر.
ثم أضافت:
— المرأة في البيوت الكبيرة لا يرفعها أن تُبهر،
بل أن تستقر.
وإذا استقرتِ في قلوبهم على وجهٍ صحيح،
صار لكِ أثرٌ أبقى من كل زينة.

وكانت فاطمة تسمع،
وفي داخلها شيءٌ من الوجل الجميل.
فهي ترى المدينة تتهيأ لمرحلة جديدة،
وترى أخاها عبد الملك يخرج من طور الرجل الذي أحبوه
إلى طور الرجل الذي ينتظم عليه يومهم،
وترى أحمد يقترب من الحرم،
وترى عبدالله يتألم ويتعلم،
وترى محمدًا يثبّت لسان المدينة،
ثم ترى نفسها تمشي إلى بابها هي أيضًا،
وعليه من الضوء بقدرٍ لا يقل عن سائر الأبواب.

ولذلك،
كانت تنضج على مهلٍ عجيب،
كأن الله لا يترك بابًا في هذا البيت إلا وربّاه على قدره.