الجزء الحادي والأربعون: الساقُ التي أرادوا كسرها

الفصل الثلاثمئة وثلاثة وخمسون: عبد الملك يخرج بالمعنى لا بالثأر

⏱ 1 دقيقة للقراءة 📖 0 كلمة
الفصل الثلاثمئة وثلاثة وخمسون: عبد الملك يخرج بالمعنى لا بالثأر

في اليوم الثالث أو الرابع بعد الضربة،
رأى سعيد أن الوقت قد جاء لأن يخرج عبد الملك إلى الناس،
لا ليشكو،
ولا ليهدد،
ولا ليرفع من جرح أخيه راية غضب،
بل ليضع للمدينة معنى ما جرى.

وقف عبد الملك في مجلسٍ من مجالس المدينة،
ليس كبيرًا كما كانت الساحة الأولى،
ولا ضيقًا حتى يضيع صوته في النخبة،
بل مجلسًا يليق بلحظةٍ تحتاج إلى بيانٍ يربط القلوب ولا يجرّها.

قال:

— أيها الناس…
لقد ضربوا عبدالله.
وأنا لا أقول لكم هذا لتبكوا معنا،
ولا لتغضبوا لنا،
ولا لتطلبوا من الجرح ما لا يطلبه من نفسه.
أقول لكم هذا لتعرفوا ما الذي أرادوه:
أرادوا أن يقولوا للمدينة إن ما تمشي به يمكن كسره.
وأنا أقول لكم:
إن كُسرت ساق رجل،
فلن يُكسر معنىٌ تعلم أن يمشي في أكثر من جسد.

ثم سكت،
وأكمل:
— إن أحببتم عبدالله فادعوا له،
لكن لا تجعلوا دعاءكم ذريعةً للاضطراب.
وإن عرفتم قدره،
فاحفظوه بأن يزداد كل واحدٍ منكم ثباتًا في موضعه.
التاجر في سوقه،
والعالم في لسانه،
والمرأة في بيتها،
والرجل في طريقه،
والفقير في صبره الكريم،
والشاب في انضباطه.
فإنهم لم يضربوه لأنه وحده،
بل لأنه كان يحمل بعضكم إلى بعض.

ثم جاءت الجملة التي حفظتها المدينة بعد ذلك طويلًا:

— من اليوم،
لا أريد منكم أن تقولوا: عبدالله كان يفعل هذا.
بل أريد أن يقول كل واحد:
ما الذي كان يحمّله إيّاه عبدالله من مسؤوليتي أنا…
وسأحمله الآن.

بهذه الكلمات،
تحول الجرح من خطرٍ على البنية
إلى نداءٍ لتوزيع الحمل.

وهذا هو الفرق بين مشروعٍ ينهار إذا أصيب رجلٌ فيه،
ومشروعٍ يتعلم من جراحه كيف يوسّع ظهره.

لم يطلب عبد الملك ثأرًا.
ولم يُظهر نفسه بطلًا فوق الألم.
بل خرج بالمعنى الصعب الذي احتاجته المدينة في تلك اللحظة:

أن الجرح ليس دعوةً للانتقام،
بل دعوةً إلى النضج.