الفصل الثلاثمئة وسبعة وأربعون: عبدالله في ليله الأخير قبل الضربة
لم يكن عبدالله يعرف تفصيل ما يُرسم له،
لكنه كان من الرجال الذين إذا اقتربت منهم الضربة،
شعروا في الهواء بشيءٍ زائد على الأخبار.
كان يعمل في تلك الأيام عملًا لا ينتهي عند مغيب الشمس.
فالمدينة بعد “نعم” ثم بعد بدء المشي،
صارت تحتاج إلى طبقةٍ أدق من الحفظ:
رجال الأحياء،
ومخارج الخبز،
وطرق الرسائل،
ومواضع العلماء،
ومخاوف النساء،
وتقلبات السوق،
والعيون التي ظهرت فجأة من لا شيء.
وفي إحدى الليالي،
جلس وحده على رزمةٍ من الرقوق أو الأوراق،
يكتب بيمينه،
ويمحو أحيانًا،
ويرفع رأسه إلى الفراغ ثم يعود.
كان يرتب أسماء رجال سيُعتمد عليهم في بابين جديدين من أبواب المدينة،
وينقل بعض الرجال من مواضع الضوء إلى مواضع الظل،
ويبعد آخرين عن عملٍ أحبوه لأنهم لا يحتملون ما بعده.
دخل عليه محمد.
وقف قليلًا عند الباب،
ثم قال:
— ما زلت مستيقظًا؟
رفع عبدالله رأسه،
وفي عينيه تعب من النوع الذي لا يشتكي، بل يزداد رسوخًا إذا طال، وقال:
— وما عادت الليالي تسمح بكثير نوم.
جلس محمد قريبًا منه،
ولم يمد يده إلى الأوراق،
فهو يعرف أن أخاه لا يحب أن يدخل أحدٌ في شبكة ما لا ينبغي أن يُرى كله،
لكنه قال:
— أراك أثقل من المعتاد.
أجابه عبدالله:
— لأن المدينة بعد أن بدأت تمشي،
صار الخطأ الصغير فيها كالسقوط في درجٍ ضيق:
قد يتدحرج إلى أسفل بسرعة.
ثم سكت، وأضاف:
— وأشعر…
أنه ليس الخوف فقط هو الذي يتحرك حولنا،
بل شيءٌ آخر.
— ماذا؟
— كأنهم لم يعودوا يريدون أن يشوّهوا ما نبنيه فقط،
بل أن يضربوا يدًا بعينها فيه.
نظر إليه محمد طويلًا،
وقال بهدوء أخٍ يعرف أخاه:
— أتقصدك؟
ابتسم عبدالله ابتسامةً خفيفة شاحبة:
— لا أحب أن أقولها هكذا.
لكنني أعلم أنني أعرف من الخيوط ما لو انقطع دفعةً واحدة،
لتعبوا قليلًا حتى يرتبوا غيره.
ثم رفع عينيه إلى أخيه، وقال:
— وأنا لا أخاف الموت.
لكنني أخاف أن يأتي في لحظةٍ تجعل ما تحت يدي يضطرب أكثر مما ينبغي.
مد محمد يده ووضعها على كتف أخيه، وقال:
— لهذا أنت تتعب كل هذا التعب.
حتى إذا وقعت عليك ضربة،
لا يقع معها ما تحفظه.
ثم أضاف:
— ومع ذلك،
أرجو أن تريح نفسك قليلًا.
ضحك عبدالله بخفة:
— وهل في هذه الأيام قليل؟
لكنّه، رغم ذلك،
أغلق بعض أوراقه،
وقال:
— سأذهب غدًا إلى طرفٍ من أطراف المدينة ثم إلى الرقعة الأولى.
أريد أن أرى بعض الرجال بعيني،
ولا أكتفي بما يحملونه إليّ.
قال محمد:
— لا تذهب وحدك.
ردّ:
— لا أذهب وحدي عادةً.
ثم سكت قليلًا، وأردف:
— لكن لا أريد أيضًا أن أتحرك كما لو أنني أخاف من كل ظل.
إذا فعلتُ، علّمت رجالي الخوف قبل أن أطلب منهم الثبات.
ولم يعرف الاثنان،
وهما يتكلمان في ذلك الليل الهادئ نسبيًا،
أن الغد سيحمل من معنى هذه الكلمات ما لم يحسباه على هذه الصورة.