الفصل الثلاثمئة واثنان وأربعون: الأحياء الفقيرة لا تريد صدقات… تريد أن تُرى
كان الباب الثالث الذي فهمه عبد الملك بعمق هو باب الأحياء الفقيرة.
ففي المدن،
قد تنخدع بعض المشاريع فتظن أن الفقراء لا يريدون إلا ما يسدّ جوعهم.
وهذا نصف الحقيقة فقط.
أما النصف الآخر،
فهو أنهم يريدون أن يُروا.
يريدون أن لا يكونوا أرقامًا تُذكر في الخطب.
ولا صفوفًا تتلقى الطعام ثم تُنسى في إدارة المدينة.
ولا حطبًا يهيَّج إذا احتيج إلى الصوت ثم يُترك إذا انفضّ الناس.
ولهذا،
خرج عبد الملك إلى تلك الأحياء مرةً بعد مرة،
لكن لا كما يخرج من يريد أن يُصوِّر نفسه في المآسي،
بل كما يخرج من يريد أن يبني من الألم معرفةً تُنزل في النظام.
كان يدخل البيوت،
يسأل عن الماء،
وعن الأفران،
وعن المرضى،
وعن النساء اللاتي فقدن أزواجًا أو معيلين،
وعن الأطفال الذين لا يعرفون من الدولة إلا أنها وجه يمرّ ثم يغيب.
وذات يوم،
جلس في زاوية بيت امرأة فقدت زوجها أو أخاها،
وكان البيت ضيقًا،
والبرد يدخل من شقوق لا تردها الكلمات.
فقالت له المرأة:
— يا سيدي،
لا نريد أن تطعمونا اليوم ثم تنسونا غدًا إذا اشتدت الأمور عندكم في الكبار.
نريد أن نعرف فقط:
هل نحن من المدينة حقًا؟
سكت طويلًا،
وشعر أن الجملة هذه أشد عليه من ألف سؤال في السياسة.
ثم قال:
— إن لم تكونوا أنتم من المدينة،
فما معنى المدينة أصلًا؟
ثم أضاف:
— ومن اليوم،
لن يكون للفقراء باب طعام فقط،
بل باب شكوى،
وباب طب،
وباب خبز،
وباب ليلٍ آمن.
ولما عاد إلى أبيه،
قال له:
— الآن فقط فهمت أن الفقير لا يطلب القمح وحده.
يطلب أن يُعامل كأنه داخل في المعنى، لا زائد عليه.
فقال سعيد:
— ولهذا،
إذا أردت أن تثبت لك مدينة،
فاجعل من أهل الهوامش شهودًا على عدلك،
لا متسولين عند بابه.
ومن هنا،
أُنشئ في الأحياء بابٌ معروف،
لاستقبال شكاوى الفقراء،
وتوزيع ما يلزمهم من غير إذلال،
ومتابعة المرضى والأرامل على هيئةٍ أكرم من أن يُلقى إليهم الطعام ثم يُقال: اصبروا.
وكانت صفية ترى في هذا كله ثمرةً لما زرعته طويلًا من معنى أن الخير إذا خرج من البيت يجب أن يبقى رحيمًا،
لا أن يتحول إلى إجراء بارد.