الفصل الثلاثمئة وتسعة وعشرون: قبل “نعم” الكاملة
في تلك الليلة،
عاد البيت كله إلى سكونه المعروف،
لكن هذا السكون لم يعد سكون ما قبل الإعلان،
ولا ما قبل الرقعة الأولى،
ولا ما قبل المدينة.
بل صار سكونًا أشبه بالوقوف على باب اعترافٍ عظيم.
جلست صفية وحدها قليلًا،
ثم جاءها سعيد.
قالت له:
— أشعر أن المدينة تكاد تتكلم.
قال:
— وأنا كذلك.
— وأخاف.
— وأنا كذلك.
ثم تبسما معًا تلك الابتسامة التي صارت في حياتهما علامةً على أن الخوف والحمد إذا اجتمعا في قلبين صادقين،
أنجبا بصيرة.
قالت:
— أتدري ما أخافه أكثر من ردّ السلطان؟
— ماذا؟
— أن نقول في داخلنا: لقد اقترب الأمر جدًا،
فنستريح لحظةً في غير موضع الراحة.
فقال:
— ولهذا،
من رحمة الله بنا أننا لم نذق مرحلةً إلا وفيها ما يمنعنا من النوم على الفتح.
دمٌ،
وخوف،
وسوق،
وجامع،
وجوع،
وبيوت،
ورسائل من مكة،
وباب فاطمة…
كل هذا يجعلنا نذكر أن الفتح أمانة،
لا وسادة.
ثم قال ببطء:
— أظن أن الجزء التالي من الطريق لن يطول.
رفعت رأسها:
— أتقصد “نعم” المدينة؟
— نعم.
— وكيف تراها تأتي؟
— لا أعلم.
لكنني لا أظنها ستأتي في كلامٍ مرتب فقط.
أحسب أنها ستأتي في لحظةٍ تُضطر فيها المدينة أن تكشف لنفسها: هل هي مع عبد الملك حقًا، أم كانت فقط تحبه من بعيد؟
وساد صمتٌ عميق.
وفي طرف البيت الآخر،
كان عبد الملك يصلي.
ولم يكن يدعو بالنصر وحده،
ولا بالمدينة وحدها،
بل دعا دعاءً أقرب إلى صميم ما صار يحمله:
— يا رب،
إذا نطقت المدينة بي،
فلا تجعلني أسمع فيها نفسي،
بل أسمع أمانتها.
وإن قربت “نعم”،
فلا تجعلها فتنةً لي،
بل تكليفًا يزداد به خوفي منك.
وكان هذا الدعاء،
في تلك الليلة،
أصدق من ألف بيان سياسي.
وهكذا،
انتهى هذا الجزء على الحافة الأخيرة تقريبًا.
المدينة اختبرت السوق،
والجامع،
والنساء،
والعلماء،
والخبز،
والأحياء،
ورأت عبد الملك في موضع الهيبة وموضع الرحمة معًا.
وبدأت تقترب من الكلمة التي إذا خرجت،
نقلته من رجلٍ دخل قلب البوسنة
إلى رجلٍ أخذ قلبها علنًا.
ومن هنا،يفتح السؤال الأعظم:
ما الحدث الذي سيجعل المدينة تقول “نعم” كاملةً لا لبس فيها؟
وهل ستقولها لأنها أحبت؟
أم لأنها لم تعد تستطيع العيش بغيرها؟