الجزء الثامن والثلاثون: الاختيارُ الكبير

الفصل الثلاثمئة وثمانية عشر: ماذا يعني أن تختار المدينة؟

⏱ 1 دقيقة للقراءة 📖 0 كلمة
الفصل الثلاثمئة وثمانية عشر: ماذا يعني أن تختار المدينة؟

بعد حادثة الجامع،
لم يعد السؤال بين عبد الملك وأبيه وإخوته:
هل اختارت المدينة أم لا؟

فقد اختارت أول اختيار علني بالفعل.

لكن السؤال الأعمق صار:
ماذا يعني هذا الاختيار؟

جمع سعيد مجلسه الأقرب.

قال:

— اليوم،
لم تكسبوا مسجدًا فقط،
ولا شيخًا فقط،
ولا موقفًا جميلًا يُروى.
لقد كسبتم شيئًا أخطر:
المدينة قالت “لا” معكم على مرأى من نفسها ومن خصمها.
وهذا يعني أن المدينة لم تعد حيادية في روحها.
ثم أضاف:
— لكن اعلموا أن الاختيار الأول لا يعني الثبات الكامل.
فالقلب إذا قال “أحبك” أول مرة،
لا يعني أنه صار بعدُ يعرف كيف يصبر على كل ما يترتب على الحب.
وكذلك المدن.

سأله عبد الملك:
— إذن؟
قال:
— إذن،
سيضربون الآن ليفسدوا هذا الاختيار.
إما بتخويف السوق،
أو بعزل العلماء،
أو بخلق حادثةٍ تجعل بعض الناس يقولون:
ليتنا لم نقف.
والمرحلة التالية أخطر من لحظة الجامع نفسها،
لأن ما بعدها سيقرر:
هل كانت “لا” موقفًا عابرًا؟
أم بداية ولاءٍ جديد؟

قال عبد الله:
— وأنا أرى أن نبدأ فورًا بتثبيت الأحياء.
فالمدينة إذا اختارت في الجامع،
قد ترتد في حاراتها إذا أكلها الخوف ليلًا.
وقال محمد:
— والعلماء يجب أن يُكملوا ما بدأه الجامع.
إن سكتوا بعد اليوم،
تركت المدينة تختزل الحدث في الصورة لا في المعنى.
وقالت صفية:
— والنساء في الليلة التالية للحدث أخطر من الحدث نفسه.
إذا عاد الرجال إلى بيوتهم ووجدوا فيها من يقول:
“لقد نجونا، فاسكتوا الآن”،
انكمش المعنى.
وإن وجدوها تقول:
“قد قلتم لا، فتعلموا الآن كيف تثبتون على مقتضاها”،
كبروا على قدرها.

نظر سعيد إليهم واحدًا واحدًا،
وشعر أن البيت كله صار يشتغل كما ينبغي للدولة الممكنة إذا بدأت تتحول إلى دولةٍ واعية بنفسها.
ثم قال:

— إذن، من الآن،
لا نتعامل مع المدينة على أنها مالت فقط،
بل على أنها دخلت طور التربية معنا.
وسنعاملها كما نعامل رجلًا قال كلمةً عظيمة،
وعليه أن يتعلم بعد ذلك كيف يعيشها.

كانت هذه واحدة من أعمق الجمل في المشروع كله.

لأنهم لم يعودوا يريدون من المدينة أن تكتفي بالمواقف،
بل أن تنضج.