الجزء الثامن والثلاثون: الاختيارُ الكبير

الفصل الثلاثمئة وستة عشر: المدينة تقول “لا”

⏱ 1 دقيقة للقراءة 📖 0 كلمة
الفصل الثلاثمئة وستة عشر: المدينة تقول “لا”

وصل عبد الملك إلى أطراف الجامع،
لكن هذه المرة لم يكن أول من قال “لا”.

وهذا كان بالغ الأثر.

لأن المدينة لم تنتظر الرجل لتستدعي كرامتها.
بل نطقت بها قبل أن يحضر.
وهذا هو الفارق بين مدينةٍ تُستخدم،
ومدينةٍ بدأت تختار.

كان المشهد متوترًا إلى الحد الذي يمكن أن ينفجر فيه كل شيء بكلمةٍ واحدة زائدة.
العلماء في الوسط،
ورجال السلطة عند باب الجامع،
والشيخ عبدالرؤوف ممسوك الذراع،
والناس في نصف دائرة من الغضب والصمت،
والأسواق القريبة بدأت توقف أنفاسها لتسمع ماذا سيقع.

دخل عبد الملك،
ومعه من يكفي لحفظ الموضع لا لإشعال الحرب.

ولم يتجه أولًا إلى رجال السلطة،
بل إلى الشيخ.

وقف بينه وبين من أمسك ذراعه،
وقال بصوتٍ يسمعه القريب والبعيد:

— ارفع يدك.

كانت الجملة قصيرة،
لكنها خرجت من موضعٍ عرف المدينة كلها أنه ليس موضع شابٍ يستعرض،
بل موضع رجلٍ وضع نفسه بين الجامع والإهانة.

تردد الرجل لحظة،
ثم قال:
— عندنا أمرٌ باستدعائه.
قال عبد الملك:
— ليس هكذا.
هذا جامع المدينة،
وعالمها ليس متهمًا يُسحب من باب الصلاة.
إن كان لكم عليه سؤال،
فله موضعه،
ولنا موضعنا،
وللمدينة حرمتها.

ثم التفت إلى الناس،
وقال الجملة التي أكملت ما بدأته “لا” الأولى:

— لا ترفعوا أيديكم.
اليوم،
المدينة لا تحتاج أن تضرب لتقول: لا.
يكفي أن لا تسلّم كرامتها لهم.

كان هذا أعظم ما يمكن أن يقال في تلك اللحظة.
لأنه منع الفوضى،
ومنع الذل في آن.

وأما رجال السلطة،
فقد وجدوا أنفسهم في مأزقٍ حقيقي.
إن هم سحبوا الشيخ بالقوة،
فقد يفتحون على أنفسهم مواجهةً عند باب الجامع،
والمدينة كلها شاهدة.
وإن تراجعوا،
فقد اعترفوا ضمنًا أن في المدينة قوةً أخلاقية وسياسية جديدة لا يستطيعون تجاوزها دائمًا.

ولم يكن الرجل القاسي الذي جاء لأخذ الشيخ من أصحاب البصيرة البعيدة،
لكنه كان كافي الذكاء ليعرف أن يده على الذراع لم تعد يده على شيخ فقط،
بل على قلب المدينة.

فتركه.

لا كرامةً منه،
بل خوفًا من أن يكسر المشهد فوق رأسه.

وقال بفظاظةٍ يريد أن يحفظ بها شيئًا من ماء وجهه:
— سيكون لنا مجلس آخر.
أجابه عبد الملك:
— حيث يجب أن يكون،
لا حيث تريدون إذلال الناس.

ثم التفت إلى الشيخ عبدالرؤوف،
وأمسك بيده أمام الناس،
لا ليأخذه بعيدًا كمن يسرقه من المدينة،
بل ليعيده إلى موضعه.

وهنا،
لم تصرخ المدينة.
بل فعلت شيئًا أخطر:

وقفت.

الأسواق أبطأت.
الرجال تزاحموا في الصمت.
الوجوه ثبتت.
والنساء في البيوت التي وصلها الخبر سريعًا أحسسن لأول مرة أن المدينة لم تعد فقط تسمع باسم عبد الملك،
بل بدأت تمارس معه معنى الوقوف.

وفي تلك اللحظة،
لم تعد المسألة:
هل تميل المدينة؟
بل:
لقد اختارت أول اختيار علني.