الجزء السابع والثلاثون: المدينة حين تُدخل الاسم إلى قلب البوسنة

الفصل الثلاثمئة وأحد عشر: أول مجلس في قلب المدينة

⏱ 1 دقيقة للقراءة 📖 0 كلمة
الفصل الثلاثمئة وأحد عشر: أول مجلس في قلب المدينة

جاء أخيرًا اليوم الذي تقرر فيه أن يجلس عبدالملك في قلب المدينة نفسها،
لا زائرًا،
ولا مصلحًا لحادثة محددة،
بل حاضرًا بصفته الرجل الذي فُتح له بابها.

وكان هذا هو المشهد الذي انتظرته البوسنة سنواتٍ من غير أن تسميه.

لم يُرد سعيد أن يكون المجلس احتفالًا،
بل أراده شبيهًا بما يصير عليه الحكم إذا دخل موضعه:
واضحًا،
ومهيبًا،
وبلا ترفٍ فارغ،
وفيه من النظام ما يسبق الخطاب.

فجلس العلماء في موضعهم.
والتجار في موضعهم.
ووجوه الأحياء والقرى التابعة للمدينة في مواضعها.
والنساء في أطراف المشهد كما يليق.
وكان رجال السلطة في أطراف أبعد،
بوجوهٍ تعرف أن ما يجري لا تملك منعه من غير أن تصنع منه شيئًا أكبر.

وقف سعيد أولًا،
لكن وقوفه كان أقصر مما كان في الساحة الكبرى يوم الإعلان.
قال:

— هذه المدينة ليست ككل ما قبلها.
ومن دخلها بحقٍّ، دخل قلب البوسنة لا طرفًا من أطرافها.
ولذلك،
لم نأتِكم اليوم لنأخذ منكم ما لا تريدون،
ولا لنفرض عليكم رجلًا لم تعرفوه.
بل جئناكم لأنكم أنتم فتحتم الباب،
ونحن نعرف ثمنه ونعرف خطره.

ثم جلس.

وهنا،
نهض عبدالملك.

كانت المدينة تراه هذه المرة رؤية أخرى.
ليست رؤية السوق فقط،
ولا رؤية القرى حين يدخلها،
بل رؤية القلب إذا جاءه الاسم الذي كان يدور حوله من بعيد ثم وقف أمامه.

قال:

— يا أهل المدينة…
لو كنت أطلب موضعًا في تاريخكم لأجل نفسي،
لما وقفت بينكم اليوم.
لكنني أقف بينكم لأنكم تعبتم من أن تكون المدينة ممرًا لسلطة لا تحترمها،
وخزانًا لضرائب لا تعود عليها،
ومجلسًا يخاف علماؤه،
وسوقًا يُهان تجاره،
وبيوتًا تخاف نساؤها أن تكبر الفوضى أكثر من خوفهن من الظلم.
وأنا لا أعدكم أن الطريق بعد اليوم خالٍ من الثمن،
لكنني أعدكم بشيء واحد:
أن هذه المدينة، إن دخلناها معًا،
فلن تُحكم بعد اليوم كما كانت تُحكم من فوقها.

ثم نظر إلى العلماء، وقال:
— أنتم ميزانها.
وإن خفتم حتى صار خوفكم لجامًا على الحق،
ضاع كثير مما نرجوه.
ونظر إلى التجار:
— وأنتم عصبها.
فإن أحببتم السلامة على حساب الكرامة،
أكلكم الظالم ثم ابتلع ما بقي منكم.
ونظر إلى وجوه الأحياء:
— وأنتم صلتها بأهلها.
فإن جعلتم من هذا الباب باب نفوذ لأنفسكم،
أفسدتموه.
ثم رفع نظره قليلًا إلى حيث النساء:
— وأما البيوت،
فما دخلت مدينةٌ طور العدل حتى رضيت نساؤها أن يحفظن هذا الطور بالصبر والعقل والستر.

ثم قال الجملة التي بقيت تتردد في المدينة طويلًا:

— أنا لا أطلب من المدينة أن تُسلّم لي نفسها.
أطلب منها أن تسترد نفسها معي.

وهنا،
لم يعد المجلس مجرد لقاء.

لقد دخلت الجملة إلى قلب المدينة كما يدخل المفتاح الصحيح في الباب الذي ظل سنين يُجرَّب فيه غيره.

وبعدها،
لم يكن الهتاف هو الأثر الأكبر،
بل ذلك الصمت الذي يُعرف به أن الكلام وقع في موضعه.