الجزء الخامس والثلاثون: بابُ المدينة التالية

الفصل المئتان وثلاثة وتسعون: عبد الله يدخل المدينة قبل الاسم

⏱ 1 دقيقة للقراءة 📖 0 كلمة
الفصل المئتان وثلاثة وتسعون: عبد الله يدخل المدينة قبل الاسم

كما فعل دائمًا،
لم يترك سعيد اسم عبد الملك يسبق إليه الضجيج قبل أن تسبقه المعرفة.

ولهذا، دخل عبد الله المدينة أولًا،
لكن لا بصفته أخا عبد الملك الظاهر،
بل بصفته الرجل الذي يقرأ المواضع قبل أن تُكتب فيها الأسماء.

دخل الأسواق،
وجلس في المقاهي الصغيرة ومجالس التجار،
وزار بعض العلماء في بيوتهم،
ومرّ على الحارات التي يختلط فيها الفقر بالحسد،
والنفوذ بالخوف،
والدين بالعادة،
والشك بالانتظار.

كان ينظر لا إلى ما يُقال عن عبد الملك فقط،
بل إلى شيءٍ أهم:

من ينتظر المدينة منقذًا؟
ومن يخاف منه لأنه سيقطع عليه بابًا من أبواب الفساد؟
ومن مستعد أن يبيع ولاءه لأول من يغلب؟
ومن يرى في الحكم العادل خطرًا على تجارته السوداء؟
ومن يحب عبد الملك لأنه يريده سيفًا على خصمه لا ميزانًا عليه وعلى خصمه معًا؟

هذه كلها أسئلة لا تكشفها الخطب.

وذات مساء، عاد إلى أبيه، وقال:
— المدينة لا تشبه القرى.
في القرى، تعرف بسرعةٍ من أين يخرج الصدق ومن أين يخرج الخوف.
أما هنا، فالناس يرتدون وجوهًا على وجوه.
فيها من يحبنا لأنه تعب من القهر،
وفيها من يحبنا لأنه يظن أن فينا سلّمًا لارتفاعه،
وفيها من يكرهنا لأنه يعتاش على فساد القائمين،
وفيها من لا يكرهنا لكن يخاف أن يختل السوق إذا دخلنا.
ثم سكت، وأضاف:
— وأخطر من هؤلاء كلهم من يريدنا أن ندخل سريعًا ليثير الفوضى ثم يحمّلنا ثمنها.

هزّ سعيد رأسه وقال:
— هذه هي المدينة.
ولهذا، لا تُؤخذ كما تُؤخذ الرقعة الأولى.
سنسير فيها لا من باب “الدخول”،
بل من باب “التغلغل”.
أريد للمدينة أن تشعر بنا قبل أن نُعلن أنفسنا فيها على المعنى الكامل.

فسأل عبد الملك:
— وكيف؟
أجاب سعيد:
— بالعدل أولًا في مواضعها الحساسة:
السوق،
والعلماء،
والطريق،
والنساء،
والليل.
إذا شعر كل واحد من هذه الأبواب أن فينا مصلحته من غير أن نطلب منه ولاءً رخيصًا،
دخلنا المدينة وهي تعرفنا من أوجاعها لا من شعاراتنا.

ومنذ ذلك اليوم، صار لعبد الله عمل جديد أشد تعبًا:
أن يجعل المدينة تقرأ معنى الدولة القادمة من نفعها المنظور قبل اسمها الكامل.