الفصل المئتان وثمانية وثمانون: أول مرة يحكم فيها عبد الملك على وجهٍ يوجع
ليست كل الأحكام التي تثبت الدولة أحكامًا يحبها الناس.
بل أحيانًا يكون أثقل ما على الحاكم العادل أن يحكم في موضعٍ يعلم أن بعض القلوب ستتوجع منه،
لكن تركه يفسد أصلًا أكبر.
وجاءت لعبد الملك أول قضية من هذا النوع سريعًا.
كان أحد الرجال من أهل البيعة الأولى،
ممن خرج اسمه مع اسم عبد الملك في المجلس الكبير،
قد استغل هيبة المرحلة ومحبته القديمة للبيت،
فصار يدخل في بعض شؤون الوقف والطريق بغير إذن،
ويؤخر حقَّ رجل ليقرب حقَّ آخر يعرفه،
ويظن أن قربه من المشروع يجعل له رخصةً لا يملكها غيره.
كشف الأمر عبد الله أولًا،
ثم ثبتت البينة عند محمد من جهة الوقف،
وعند وجوه الناس من جهة الطريق.
وجلس عبد الملك للرجل.
وكان في صدره له تاريخ من المودة والموقف،
لكن في يده الآن أمانة الرقعة الأولى.
قال الرجل:
— والله ما أردت إلا الخير.
وقال آخرون:
— لعله اجتهد،
ولا ينبغي أن نكسر رجلًا وقف معنا أولًا.
وكان هذا بابًا من أبواب الفتنة الدقيقة:
أن تبدأ الدولة ممكنةً ثم تفسدها المحاباة تحت اسم “السابقة” و”الوفاء”.
سكت عبد الملك طويلًا.
ثم قال للرجل أمام من حضر:
— نعم،
لك سابقة نعرفها،
ولك قدمٌ لا ننكرها،
لكننا إن جعلنا سابقتك اليوم بابًا نعفو به عن ظلمك الصغير،
فقد فتحنا على أنفسنا بابًا يهدمنا من الداخل.
الدولة التي تُبنى على أن السابق يُعذر إذا خان موضعه،
لا تختلف كثيرًا عمّن نقوم عليهم.
ثم قضى عليه بعقوبةٍ لا تشفي الغضب،
ولا تترك الخلل،
بل تردّه من موضعه،
وتمنعه من التصرف مدة،
وتلزمه بردّ ما أخّر،
وتجعل الناس يرون أن “القرب” ليس حصانة.
خرج الرجل مكسور النفس،
لكن الحكم ثبت في الناس ثبوتًا أعظم من أي مدح.
وقال بعضهم:
— الآن عرفنا أن البيعة ليست رخصة،
بل زيادة حساب.
وكانت هذه من اللحظات التي دفعت الرقعة الأولى خطوةً أخرى نحو معنى الدولة،
لا معنى الجماعة المحبة فقط.