الجزء الرابع والثلاثون: أولُ رقعةٍ تحت اليد

الفصل المئتان وأربعة وثمانون: أول قضية تحت الحكم الجديد

⏱ 1 دقيقة للقراءة 📖 0 كلمة
الفصل المئتان وأربعة وثمانون: أول قضية تحت الحكم الجديد

لم يطل الوقت حتى جاءت أول قضيةٍ تُختبر بها الرقعة الجديدة.

كان هناك رجلان من فلاحين جارين،
بينهما نزاع قديم على حدٍّ من حدود الأرض،
وكان النزاع قد تضخم في الأشهر الأخيرة لأن رجال السلطة السابقين كانوا يبتزون كل واحدٍ منهما بوعدٍ كاذب أن يُثبتوا له حقه إذا دفع أكثر،
حتى صار الحقُّ نفسه مشوشًا في الأوراق والصدور.

جاء الرجلان،
ومعهما أبناؤهما،
وشاهدان متضاربان،
وورقة قديمة،
وكلام كثير.

وفي مثل هذه القضايا، يميل كثير من الحكام الجدد إلى الاستعراض:
إما أن يصرخوا ليُظهروا الحزم،
أو يُسرعوا بالحكم ليقول الناس: ما أسرع عدله.

لكن عبد الملك لم يفعل هذا ولا ذاك.

أمر أولًا أن يجلس الرجلان،
وأن يُبعد الأبناء قليلًا حتى لا يصير المجلس ساحة لكرامات البيوت،
ثم طلب الورقة،
ودعا شاهدًا من أهل الأرض،
ثم سأل عن السقي،
وعن الزرع،
وعن من كان ينتفع فعليًا في السنوات الماضية،
وعن أين يدخل الظلم الحقيقي إن أُخذ الحد في هذا الاتجاه أو ذاك.

وكان محمد يتابع دقة السؤال،
ويرى كيف أن العدل لا يبدأ من النصوص وحدها،
بل من فهم الواقع الذي نزلت النصوص لتحكمه.
أما عبد الله، فكان ينظر إلى وجوه الأبناء والإخوة،
يرى أين يمكن أن يشتعل النزاع بعد الحكم إن لم تُحفظ له جهة الكرامة.

وبعد وقتٍ طويل، قال عبد الملك:

— الحق في الأرض ليس فقط لمن يصرخ،
ولا لمن معه ورقةٌ شوّهها الفاسدون،
ولا لمن أكل السنينَ بحكم العادة.
الحق هنا يُردّ على وجهين:
حدٌّ يُثبت،
وكرامةٌ لا تُهدر.

ثم حكم بما ظهر له من البينة،
لكنه لم يكتفِ بذلك.
أمر أن يُعان الرجل الذي نقصت أرضه قليلًا في موسمٍ واحد من باب الوقف،
حتى لا يخرج الحكم من المجلس عدلًا على الورق، وظلمًا في الواقع.
ثم قال للرجلين أمام الناس:

— لا أريد أن يخرج أحدكما وهو يقول: أخذوا مني.
أريد أن يخرج كل واحدٍ منكما وهو يقول:
رُدَّ الحق، وحُفظت الكرامة.

كانت هذه العبارة وحدها كافية لتشيع في الناس.

خرج الرجلان،
ولم يكن أحدهما سعيدًا تمامًا،
لكن أحدًا منهما لم يشعر أنه أُذلّ،
وهذا في البدايات أثمن من الرضا الكامل.

وقال شيخٌ من الحاضرين:
— الآن عرفنا أن الحكم دخل الأرض.

لأن الناس لا يثقون بالإعلانات طويلًا،
لكنهم يثقون بما يقع على حدود زرعهم،
وبما يُفصل به بين رجلين يعرفان أن النزاع يمكن أن يفسد أبناءهما عشرين سنة إن لم يُحسم بحكمة.