الجزء الرابع والثلاثون: أولُ رقعةٍ تحت اليد

الفصل المئتان وثلاثة وثمانون: مجلسُ الإمساك الأول

⏱ 1 دقيقة للقراءة 📖 0 كلمة
الفصل المئتان وثلاثة وثمانون: مجلسُ الإمساك الأول

دخل عبد الملك الناحية الأولى لا على هيئة موكبٍ يُخيف،
ولا على صورة شابٍ متحمس يريد أن يختصر التاريخ في يوم،
بل دخلها ومعه عبد الله، ومحمد، وبعض الوجوه الثابتة، وعدد محسوب من الرجال الذين يكفون لحفظ الهيبة من غير أن يزرعوا في القلوب معنى الاحتلال.

وكان أول ما فعله أنه لم يذهب إلى الطريق،
ولا إلى المخزن،
ولا إلى مجلس الرجال،
بل ذهب إلى الموضع الذي تجتمع فيه الجهات كلها:
الساحة الصغيرة القريبة من المسجد،
التي يمر بها أهل السوق،
ويعرفها الفلاحون،
وتقصدها النساء من بعيدٍ إذا أردن أن يرين ما يقع من غير أن يدخلن في الزحام.

هناك وقف.

ولم يجلس على منصة مرتفعة،
بل جعل مجلسه على نحوٍ يراه الناس قريبًا منهم،
لكن مع فارقٍ معلوم يحفظ المقام ولا يلغيه.

اجتمع الشيوخ،
وجاءت وجوه القرى التابعة لهذه الرقعة،
وحضر بعض التجار،
وجلس العلماء في الموضع الذي يليق بهم،
وكان محمد قريبًا منهم،
أما عبد الله فكان يتحرك بين الصفوف بحذرٍ هادئ،
يلتقط الوجوه المتوترة،
ويرى من جاء صادقًا،
ومن جاء ليراقب،
ومن جاء ليحسب أين تميل الكفة.

افتتح عبد الملك الكلام بقوله:

— لا آتيكم اليوم لأقول: صارت هذه الأرض لنا.
فالأرض لله،
والناس عباد الله،
والحكم إن لم يكن عدلًا فهو بلاء على أهله وعلى من تحت أيديهم.
لكنني آتيكم لأقول:
من اليوم، لن تُترك هذه الناحية تتخبط بين ظالمٍ يعرف أنه لا يُحاسب،
وخائفٍ يظن أن لا أحد يسمعه،
ومحتاجٍ لا يعرف إلى أي بابٍ يطرق.

ثم رفع نظره إلى الوجوه، وقال:

— وأول ما نبدأ به هنا أربعة أمور:
الطريق،
والخبز،
والحق بين الناس،
وهيبة الليل.
فإن صلحت هذه الأربعة، عرف الناس أن العدل ليس خطبةً فقط،
بل نظامًا يمشي على الأرض.

ثم دعا محمد ليتكلم في شؤون الوقف،
فقال محمد بوضوحه الذي يزداد وزنًا كلما تقدمت الأحداث:

— لن يُقطع شيء من حقوق الأيتام والنساء والمرضى بحجة الظرف.
ولن تُترك المؤن تتبع أهواء الرجال أو شدّة أصواتهم.
سيُكتب كل شيء،
ويُعرف كل باب،
ومن له حق أخذه،
ومن خان حوسب.

ثم تكلم عبد الله:

— ومن الليلة، لا يتحرك في هذه الرقعة رجلٌ يريد أن يصنع بطولةً وحده.
كل طريق له من يعرفه،
وكل رسالة لا تخرج إلا من بابها،
وكل اضطراب يبلغنا قبل أن يكبر.
ومن أراد أن ينصرنا بالفوضى،
فهو علينا لا معنا.

ثم عاد عبد الملك، وقال:

— هذه أول أيامنا.
فلا أريد منكم مدحًا.
أريد منكم أمرين:
أن تصدقوا معنا،
وأن تخبرونا أين مواضع الخلل قبل أن تستفحل.
فإن أخفيتم عنّا ما يفسد رقعتكم حياءً أو خوفًا أو طمعًا،
شاركتم في الظلم وإن لم تمارسوه بأيديكم.

كانت الكلمات ثقيلة على القلوب،
لكن ثقلها كان من النوع الذي يريح ولا يكسر.
لأن الناس لأول مرة لا يسمعون فقط من يعدهم بردّ الظلم،
بل من يضع منذ اللحظة الأولى قواعد الحكم.