الجزء الرابع والثلاثون: أولُ رقعةٍ تحت اليد

الفصل المئتان واثنان وثمانون: الدخول إلى الأرض لا إلى الصورة

⏱ 1 دقيقة للقراءة 📖 0 كلمة
الفصل المئتان واثنان وثمانون: الدخول إلى الأرض لا إلى الصورة

لم يكن أصعب ما في الإمساك الأول أن يدخل عبد الملك إلى الرقعة التي اختارها أبوه ومن معه،
بل أن يدخلها دون أن يفسدها معنى الدخول نفسه.

فكم من رجلٍ صلح في المعارضة،
ثم أفسد أول موضعٍ وُضع فيه لأنه أحب أن يرى أثره سريعًا،
فثقل على الناس قبل أن يخفف عنهم،
واشتدّ عليهم قبل أن يفهم أوجاعهم،
وصار في أول أيامه أسيرًا لصورة “الحاكم الجديد” أكثر من كونه عبدًا لله مؤتمنًا على رقاب العباد.

وكان سعيد يعرف هذا جيدًا،
ولذلك، قبل أن يدفع ابنه إلى الناحية الأولى التي سيبدأ منها الإمساك الواقعي،
أخذه معه إلى موضعٍ مرتفع يطل على جزء من الأرض والقرى والطريق،
كما كان يفعل في اللحظات التي يريد فيها أن يربط المعنى بالصورة قبل أن يدفع الصورة إلى الناس.

وقفا هناك،
والريح البوسنية تمر على السهول والبيوت وأعمدة الدخان الخارجة من مواقد الفقراء،
وكان الغروب يميل إلى الصفرة الباردة.

قال سعيد:

— انظر.
لا أريدك أن ترى أرضًا ستدخل تحت يدك،
بل أريدك أن ترى أماناتٍ ستدخل في عنقك.

سكت عبد الملك.

ثم قال أبوه:

— هذه البيوت لا تعرف من “الحكم” كثيرًا إلا الجباية والخوف وسوء المزاج الذي يأتيها من رجال لا يرون فيها إلا أرقامًا على دفاترهم.
فإن دخلت عليهم غدًا بعينٍ ترى نفسك،
لم تختلف عنهم إلا في الاسم.
أما إن دخلت عليهم بعينٍ ترى الله أولًا، ثم ترى الضعفاء، ثم ترى مواضع الخلل،
فربما جعل الله لك في أول رقعةٍ ما يُثبت لك ما بعده.

قال عبد الملك:
— وأخاف من هذا أكثر من خوفي من السيوف.
قال سعيد:
— وهذا خير.
فإن الرجل إذا خاف من الظلم قبل أن يملك،
كان أرجى أن يعدل إذا مُكّن.
وأما الذي لا يخاف إلا من خصومه،
فقد يهزمهم ثم يصير صورةً أخرى منهم.

ثم أضاف:

— أول ما أريدك أن تفعله هناك ليس أن تُظهر القوة،
بل أن تُظهر النظام.
فالناس قد يحبون الشجاع،
لكنهم لا يطمئنون إلا لمن يرون عنده ترتيبًا يحفظ خبزهم، وطرقهم، ومجالسهم، وحقوقهم، وليلهم.

خفض عبد الملك رأسه،
وشعر أن الأرض التي ينظر إليها لم تعد أرضًا فقط،
بل كتابًا مفتوحًا سيسأل غدًا: هل قرأته بعين المؤتمن أم بعين الطالب؟