الجزء الثاني والثلاثون: كيف تُحمى الدولة الممكنة قبل أن تقوم؟

الفصل المئتان واثنان وسبعون: فاطمة والخطوة التي خرجت من الظل

⏱ 1 دقيقة للقراءة 📖 0 كلمة
الفصل المئتان واثنان وسبعون: فاطمة والخطوة التي خرجت من الظل

أما أمر فاطمة، فقد بلغ المرحلة التي لا يمكن أن تبقى كلها في الظل.

جاءهم من البيت السعودي ما يعني أن الخطبة ستأخذ طريقها المعروف في الدوائر الكبرى، وأن أسماءً بعينها ستعلم، وأن الترتيب لم يعد مجرد موافقة قلبية، بل صار شأنًا يُبنى له.

ولم يرد سعيد ولا صفية أن يخرج الخبر على صورةِ فخرٍ اجتماعي، ولا أن يُربط من أول يوم بالصراع الدائر في البوسنة،
لكنهما كانا يعرفان أيضًا أن هذه الخطوة ليست شأنًا منزليًا خاصًا فقط،
بل لها أثر في هندسة المرحلة كلها.

جلسا مع فاطمة مرة أخرى.
وكانت البنت أكثر نضجًا في كل مرة يجلسان معها.
قال سعيد:
— من اليوم، سيعرف بعض الناس بالأمر.
وسيبدأ من لا يعرفنا جيدًا أن يظن أنكِ تدخلين هذا الباب لأننا نريد سندًا سياسيًا.
وأريدك أن تعرفي أنتِ من الآن أن هذا ليس هو الأصل.
الأصل أنكِ تدخلين — إن تم الأمر — بيتًا فيه رجل نرضى دينه،
وفيه باب خير،
ثم بعد ذلك ما يربطه الله من مصالحه العليا شأن آخر لا يكون أساس القلب.
فقالت:
— وأنا لا أريد أن أكون جسرًا بلا روح.
ابتسم سعيد، وقال:
— ولهذا اخترناكِ لهذا الباب.

ثم قالت صفية:
— وستبدئين من الآن في تهيئة نفسك لأمرين معًا:
الحياء الذي لا يُضعفك،
والثبات الذي لا يخرجك عن أنوثتك.
فالمرأة في البيوت الكبرى تفسد من جهتين:
إما أن تذوب حتى لا يبقى لها أثر،
وإما أن تتصلب حتى تصير حضورًا ثقيلًا لا روح فيه.
وأريدك وسطًا تعرفه النساء القويات الكريمات.

وكانت فاطمة تسمع، وفي قلبها ذلك المزيج الجميل من الخوف والرضا.
ولم تكن تشكو من ثقل ما ينتظرها،
بل كانت كلما اقترب الباب شعرت أن عليها أن ترتقي من الداخل،
وهذا هو أصدق ما يهيئ المرأة للمقامات الكبيرة.

وبدأت صفية، في هدوء، ترتب لها ما لا يراه الناس من هذه المرحلة:
مجالس النساء الرفيعة،
معرفة آداب البيوت الكبيرة،
كيف تسمع أكثر مما تتكلم،
كيف تدخل المجلس فلا تضيعه حياءً ولا تستدعيه جرأة،
كيف تحفظ سرّ البيت الذي تدخله،
وكيف تبقى مع ذلك ابنة بيتها لا صورةً لغيرها.

وكانت ترى في ابنتها نضجًا يطمئنها،
لكنها مع ذلك كانت تخاف كما تخاف كل أم تعرف أن الأبواب التي يُفتح فيها الضوء كثيرًا، يكثر فيها الامتحان.