الفصل المئتان وخمسة وستون: مكة تسمع الخبر… والبيت الملكي كذلك
لم يلبث خبر الساحة والبيعة أن خرج من البوسنة.
خرج إلى القرى أولًا،
ثم إلى الجهات التي تراقب،
ثم إلى مكة،
ثم إلى البيت السعودي.
في مكة، بلغ الخبر أحمد من طريقٍ لا شك فيه.
وحين قرأ أن البيعة خرجت إلى العلن، وأن أباه قد قدّمه، وأن العلماء والوجوه بايعوا، وأن السلطة رأت وسكتت، أحسّ أن شيئًا في صوته نفسه تغيّر تلك الليلة.
وقف للصلاة بعد ذلك بليلة أو اثنتين،
وكان في صوته لأول مرة ذلك الجمع الغريب بين الحنان والحزن والعزم،
حتى قال له بعض من سمعه:
— كأن وراء قراءتك الليلة تاريخًا يمشي.
ولم يشرح أحمد،
لكنه فهم أن البوسنة قد صارت تدخل مكة من خلاله على وجهٍ جديد.
أما في البيت السعودي، فكان لخبر الإعلان وقعٌ آخر.
إذ لم يعد الحديث عن بيت صفية وسعيد حديث خيرٍ وأوقافٍ ونساءٍ وعلم فقط،
بل صار حديث بيتٍ دخل طور التشكّل السياسي العلني في البوسنة،
ومع ذلك لم يخرج من سمتِه، ولا من لغته، ولا من وقاره.
وجلست المرأة الرفيعة التي رعَت أمر فاطمة طويلًا مع من يعنيهم الأمر في بيتها، وقالت:
— الآن اتضح أكثر لماذا كنت أرى في هذه البنت شأنًا.
إنها لا تدخل بيتنا من بيتٍ كريم فحسب،
بل من بيتٍ صار تاريخًا يتحرك.
وهذا يزيد الحمل، لكنه يزيد المعنى أيضًا.
ووصل إلى صفية بعد أيام خبرٌ لطيف المعنى،
أن موقف البيت السعودي من أمر فاطمة لم يبرد مع اشتداد الاضطراب في البوسنة،
بل ازداد احترامًا وتقديرًا.
وكأنهم يقولون لها:
نحن لا نطلب بنتكم هربًا من واقعكم،
بل نطلبها ونحن نعرف واقعكم ونُكرم ما فيه.
فلما قرأت الرسالة، أحست أن الله يربط الأبواب بعضها ببعض على نحوٍ أعجب مما تتخيل.
قالت لسعيد:
— انظر كيف أن الإعلان لم يُغلق بابها،
بل ثبّته.
فقال:
— لأن البيوت الكبيرة إذا كانت ذات عقل،
عرفت أن ابنة البيت الذي يثبت في البلاء أثمن من ابنة بيتٍ هادئ لا قصة فيه.