الفصل المئتان وواحد وستون: سعيد يقدّم… ولا يختبئ
حين هدأ الناس، وقف سعيد.
ولم يكن وقوفه هذه المرة كوقوفه في المجالس السابقة.
كان يقف وفي قلبه من الثقل ما لا يخفى، لأنه يعرف أنه اليوم لا يقدّم رأيًا فقط، ولا يردّ على ظلمٍ طارئ، بل يفعل شيئًا لا رجعة بعده:
يقدّم ابنه إلى البلاد.
نظر إلى الساحة طويلًا.
رأى وجوهًا عرفها في الجوع والبرد والمرض والمجالس،
ورأى رجالًا قالوا كلماتهم في الظل ثم خرجوا بها إلى الشمس،
ورأى النساء اللاتي ثبتن البيوت،
ورأى هند وفي عينيها معنى سالم كلّه،
ورأى صفية في موضعها، كأنها لا تقف في طرف الساحة بل في قلبها،
ثم بدأ الكلام.
قال:
— أيها الناس…
لقد عرفتم هذا البيت سنين،
لا من جهة القول فقط،
بل من جهة البلاء والخبز والستر والصلح والعلم.
وعرفتم ما فعل الله بنا ومعنا،
ورأيتم كيف مشى هذا الطريق من ظلاله الأولى إلى هذه الساعة.
ولم نكن يومًا نطلب لكم صورةً تُسكر القلوب،
ولا شعارًا يُهتف به ثم تفيقون بعده على خراب.
بل كنا نريد — وما نزال — أن يكون ما يخرج بينكم حقًا يمكن أن يُبنى عليه، لا حلمًا ينهار عند أول ثمن.
ثم سكت لحظة، وأكمل بصوتٍ أهدأ وأثقل:
— وقد جاءنا الخوف في الورق،
وجاءنا التهديد في المجالس،
وجاءنا الدم في الطريق،
ولم نرَ فيكم إلى اليوم إلا ما يزيدنا يقينًا أن البلاد إذا أرادت عدلًا،
فإنما تطلبه من رجالٍ يعرفون كيف يثبتون، لا من غضبٍ عابر.
ثم التفت إلى عبدالملك، لا بخفة المسرح، بل بثقل الأب الذي عرف أن وقته قد جاء، وقال:
— وأنا اليوم،
لا أخلع عن نفسي شيئًا،
ولا أدفع أمامكم فتًى أحببتموه ليدخل في موضعٍ لم يُعدّ له،
بل أقدّم إليكم الرجل الذي رأيته بنفسي في مواطن كثيرة،
واختبره الله قبلي، واختبرته البلاد معكم،
فرأيتُ فيه ما أرجو معه أن يكون حامل هذه المرحلة.
ثم مد يده إلى عبدالملك، وأمسك بيده أمام الناس.
ولم يكن المشهد مشهد تتويج،
بل مشهد تسليم أمانة.
قال:
— هذا عبد الملك.
إن رأيتم فيه ما رأيناه نحن من عدلٍ، وصبرٍ، وبصرٍ بالناس،
ورأيتم أن البلاد قد بلغت من حالها ما لا يصلح معه تأخير الرجل عن موضعه،
فإني أشهد الله عليكم وعليه،
وأضع بين أيديكم ما كان في قلبي من قبل أن يخرج إلى لسانكم:
إنه رجل المرحلة.
سرت العبارة في الساحة سريانًا لم يكن صاخبًا أول الأمر.
بل مرت على القلوب كما يمرّ النبأ المنتظر إذا خرج أخيرًا من فمٍ يعرف الناس صدقه.
ثم قال سعيد:
— لكن اسمعوا هذا جيدًا:
لا أقدمه إليكم لتصنعوا منه صنمًا،
ولا لتلقوا عليه أمانتكم ثم تناموا.
إنما أقدمه إليكم لتقوموا معه،
وتحاسبوه إذا أخطأ،
وتثبتوا إذا ثبت،
وتحملوا معه الثمن،
فإن البلاد لا يرفعها رجلٌ وحده مهما كان،
بل يرفعها حقٌّ تحمله القلوب والأيدي والعقول.
ثم ترك يده، وتراجع خطوة.
وكانت هذه الخطوة الواحدة من أخطر ما وقع في ذلك الصباح كله.
لأنها لم تكن تراجع جسدٍ فقط،
بل تراجع جيلٍ لصالح الجيل الذي يليه.