الجزء الثلاثون: بابُ الاقتراب من الإعلان الكبير

الفصل المئتان وثمانية وخمسون: الليلة التي فُهم فيها أن الإعلان لم يعد بعيدًا

⏱ 1 دقيقة للقراءة 📖 0 كلمة
الفصل المئتان وثمانية وخمسون: الليلة التي فُهم فيها أن الإعلان لم يعد بعيدًا

في آخر هذه المرحلة، اجتمع البيت من جديد.

ليس بكل من فيه هذه المرة،
بل بأعمدته:
سعيد،
صفية،
عبدالملك،
عبدالله،
محمد،
ومريم بقدرٍ خاص،
ومن يقتضي الأمر أن يكونوا على وعيٍ بما اقترب.

كان الليل ثقيلًا، والريح تمرّ على البوسنة كما لو كانت تقلب أوراق السنوات السابقة كلها ورقةً وراء ورقة، حتى وصلت إلى الصفحة التي سيبدأ فيها الكلام الصريح.

قال سعيد:

— لم يعد الأمر بعد هذه المجالس وهذه الدماء وهذه الأسماء كما كان.
لقد خرجت الوجوه.
وثبتت القرى.
ودخل الدم.
واقتربت أبواب مكة والبيت الملكي.
والسلطة لم تعد تلمّح، بل تضرب.
ومن هنا، لا يبقى لنا أن نسأل: هل؟
بل أن نسأل:
كيف ندخل الإعلان بحيث يكون إعلان دولة تتشكل، لا صرخة جماعةٍ مكلومة؟

ثم نظر إلى عبدالملك، وقال:
— أظن أن الوقت بيننا وبين ذلك لم يعد طويلًا.
لكن ما بقي فيه لا يحتمل خطأً واحدًا كبيرًا.
فإن أخطأنا، دفع الناس معنا.
وإن أحسنا، كان ما بعد الإعلان أقرب إلى القيام منه إلى التمني.

وساد صمتٌ عميق.

تكلمت صفية أخيرًا، وقالت:
— إذن، من الليلة، يجب أن نتهيأ نفسيًا لأن البيت لن يبقى بيتًا خفيّ المعنى عند الناس.
سيصير رمزًا.
والرموز تُؤكل من أبواب كثيرة:
من الحسد،
ومن الحب،
ومن الخوف،
ومن الطمع،
ومن الصورة التي يريد الناس أن يصنعوها قبل أن تكتمل الحقيقة.
فاحفظوا هذا كلَّه.

ثم التفتت إلى عبدالملك:
— وأنت يا بنيّ،
إذا جاء يوم الإعلان، فلا تدخل عليه وكأنك تصعد إلى ما حلمتَ به.
ادخل عليه وكأنك تنزل إلى شيءٍ أثقل منك، وتحتاج فيه إلى الله أكثر مما احتجت إليه في كل ما مضى.

وقال عبدالله:
— وأنا سأبدأ من الغد إعادة ترتيب الرجال على أساس الإعلان، لا على أساس الاحتمال.
فقال سعيد:
— افعل.
وقال محمد:
— وسأشدّ أمر العلماء والوقف، حتى لا يفاجئهم الانتقال وهم في طور التردد.
فقال سعيد:
— وهذا بابك.
أما صفية، فقد قالت بهدوء:
— وأنا أشدّ أمر النساء والبيوت.
فإن البيوت إذا فهمت معنى الإعلان قبل أن يخرج، ثبتت أكثر إذا سمعته.

وانفضّ المجلس.

ولم يقل أحدٌ صراحة:
غدًا نعلن.
أو بعد شهر.
أو في يوم كذا.
لكن الجميع خرجوا وهم يعرفون أن السؤال لم يعد: هل؟
ولا حتى: متى؟
بل صار فقط:

هل نحن كاملون بالقدر الكافي لتحمل اليوم إذا جاء؟

وهذه هي آخر مراحل ما قبل الإعلان الكبير.

فما سيأتي بعدها سيكون:
اتساع الاصطفاف من الوجوه إلى الناس،
واتساع المواجهة من التهديد والكمائن إلى خطوةٍ لا يمكن للسلطة بعدها أن تدّعي الجهل،
واكتمال الطريق بين فاطمة والبيت الملكي،
وثبات أحمد في مكة على موضعٍ يعرفه الناس،
ثم اللحظة التي تقول فيها البوسنة، لا همسًا ولا في مجالس ضيقة:

لقد خرج عبد الملك من طور الرجاء…
ودخل طور الاسم الظاهر.

وهنا ينتهي زمن الاقتراب من الإعلان،
ويبدأ زمنٌ أكبر:

زمن الإعلان نفسه.