الجزء التاسع والعشرون: أول الدم

الفصل المئتان وأربعة وأربعون: الجسد على الحجر… والاسم الذي لم يمت

⏱ 1 دقيقة للقراءة 📖 0 كلمة
الفصل المئتان وأربعة وأربعون: الجسد على الحجر… والاسم الذي لم يمت

وصل عبد الملك إلى موضع الكمين، وكان الليل قد زاد برودة، والرجال الذين سبقوه قد حملوا المصابيح أو ما يضيء الطريق.
وكانوا يخشون أن يكون الأعداء قد عادوا، أو أن يكون سالم قد أُخذ، أو أن يكونوا نصبوا شيئًا آخر لمن يلحق به.

لكنهم وجدوه هناك.

لم يكونوا أمام مشهدٍ صاخب،
بل أمام رجلٍ على الأرض، والدم يخرج منه بقدرٍ لا يتيح كثير أمل، لكنه لا يزال حيًا، في لحظةٍ بين الأرض والسماء، بين الجهد الأخير والغيب الذي يقترب.

اقترب عبد الملك، وجثا عنده.

فتح سالم عينيه بصعوبة، ورآه.
وفي عينيه لمحةُ رضاٍ غريب، كأن الرجل الذي خرج من البيت برسالة، ولقى الكمين، لم يكن يحمل في صدره ندمًا على الطريق، بل اطمئنانًا إلى أن ما خرج لأجله لم يضع.

قال عبد الملك بصوتٍ خافت:
— سالم…
حاول الرجل أن يتكلم.
اقترب منه.
قال بصوتٍ متقطع:
— وصلت…
— نعم.
— والفتى؟
— نجا.
أغمض عينيه لحظة، كأن هذه المعلومة وحدها أعطته من السكينة ما يكفي.
ثم فتحهما مرةً أخرى، وقال:
— إذن… لا… تدع… الطريق…
وانقطعت الكلمات.

لكن عبد الملك فهم.
وفهم من هذه اللحظة شيئًا لن ينساه ما بقي حيًا:
أن بعض الرجال، في لحظة اقتراب الموت، لا يسألون عن أسمائهم، ولا عن ثأرهم، ولا حتى عن أجرهم،
بل عن الطريق.

وضع عبد الملك يده تحت رأسه، أو على صدره، وقال:
— لا أتركه.
نظر إليه سالم، وفي وجهه أثر ابتسامةٍ صغيرةٍ لا تكاد تُرى، ثم خرج نفسه الأخير كما يخرج شيءٌ أثقل من الجسد، وأخف من الريح.

وسكن.

في تلك اللحظة، لم يشعر عبد الملك أنه أمام رجلٍ قُتل فقط.
بل شعر أنه أمام العتبة التي دخل منها التاريخ دمًا.
فكل ما قبلها كان إعدادًا،
أما الآن فقد صار في المشروع شهيدٌ أول،
ورجلٌ مات لا في نزاع شخصي، ولا في حادثةٍ عابرة،
بل لأنه كان يحمل الطريق.

وقف الرجال من حوله صامتين.
وكان بعضهم يريد أن يقول:
نقتص،
ونطارد،
ونبحث،
ونعلن،
لكن عبد الملك، على شدة ما في نفسه، عرف أن أول واجباته الآن ليس أن يصرخ، بل أن يُسمّي ما جرى.

فقال:
— هذا ليس قتل رجلٍ من الطريق.
هذا قتلُ طريق.
ثم نظر إلى الرجال، وقال:
— وسنحفظه كما أوصانا.

وحين حملوا الجسد، لم يكن حملًا لجثمانٍ فقط،
بل حملوا معه إلى البيت والقرى والناس أول شهادةٍ مكتوبة بالدم على أن السلطان لم يعد يكتفي بالخوف، بل دخل باب القتل.