الفصل المئتان واثنان وأربعون: الكمين الذي لم يكن صدفة
في مساءٍ باردٍ من أمسيات البوسنة، خرج سالم من بيتٍ قريب من إحدى القرى يحمل شيئًا صغيرًا في الظاهر:
رسالة قصيرة،
وقائمة أسماء،
وتأكيدًا على موعد مجلسٍ لا ينبغي أن يُعرف إلا لمن يعنيهم.
ولم يكن وحده، بل معه فتى أصغر منه ببضع سنوات، يتعلم الطريق على يده، وكان سالم يهيئه ليكون من رجال الظلال إذا اشتدت الأيام.
كان الليل يميل إلى البرد الجاف، والريح تضرب أطراف الشجر، والسماء لا تمطر، لكنها توحي أن شيئًا في الجوّ غير مطمئن.
مشى سالم في طريقٍ اعتاده عشرات المرات، يمرّ بين مرتفعٍ صخري وبعض الأشجار المتقاربة، ثم ينحدر إلى مجرى ماء صغير يقطعه جسر من الخشب القديم.
وحين اقترب من ذلك الموضع، أحسّ في قلبه تلك الرعشة الخفيفة التي يعرفها أهل الطريق إذا سبق إليهم الخطر بلمسةٍ قبل أن يُرى.
وقف لحظة.
وقال للفتى الذي معه:
— لا تمشِ أمامي.
اقترب الفتى، وسأل بصوت منخفض:
— ماذا هناك؟
قال سالم:
— لا أدري بعد… لكن الطريق اليوم لا يشبه نفسه.
وكان من خبره الطويل أن تعلّم ألا يحتقر هذه الرعشات.
فكثير من الرجال يهلكون لا لأنهم لم يعرفوا الخطر، بل لأنهم احتقروا أول إحساسٍ به.
انحنى قليلًا، ومسح بيده على التراب والطريق، ثم نظر إلى موضعٍ من الغبار عند طرف الشجر، وقال:
— ثمة من مرّ من هنا قريبًا…
والأقدام ليست أقدام قرويين عائدين.
ولم يكمل.
خرجت من بين الشجر حركتان سريعتان، ثم ثالثة.
رجالٌ لا يلبسون لباس القرى، ولا يظهرون أنفسهم كجنود رسميين، لكنهم من أولئك الذين ترسلهم السلطة حين تريد أن تمسك رجلًا أو تضربه أو تجرّه إلى موضعٍ لا يُعرف فيه على من يُحسب الدم.
دفع سالم الفتى من كتفه دفعةً قوية، وقال:
— ارجع!
لا تتوقف!
وكانت هذه أول كلمة خرجت منه لا بوصفه حامل رسالة، بل بوصفه رجلًا فهم أن اللحظة قد دخلت بابها.
هاجمه أول الرجلين، لكن سالم لم يكن أعزل من الفهم.
كان معه سكين الطريق، وعصا قصيرة، وقلبٌ يعرف أن النجاة في مثل هذا ليست دائمًا بالبقاء حيًا وحده، بل أحيانًا بأن يخرج من معك، وأن لا تسقط الرسالة.
وقع اشتباكٌ سريع، فوضوي، ليس فيه شرف مبارزات القصص، بل فيه خشونة الطرق حين تتفاجأ الأجساد ببعضها تحت ضغط الوقت.
ضرب سالم أحدهم بعنفٍ جعله يتراجع.
وتلقى ضربةً على كتفه أو ذراعه، فلم يتراجع.
ورأى الثالث يلتف ليقطع طريق الفتى، فصرخ مرةً أخرى:
— اهرب!
وانطلق الفتى.
وهنا، فهم الرجال المهاجمون أن الرجل لم يعد هدفهم الوحيد، بل إن الأهم أن لا تصل الرسالة.
فأراد أحدهم اللحاق بالصغير، فاعترضه سالم بجسده كله تقريبًا، ودفعه إلى موضعٍ صخري، ودخلت الضربات في لحمٍ وصبرٍ وغضب.
لم يكن قتالًا طويلًا، لكنه كان من النوع الذي يمرّ على صاحبه كأنه دقيقةٌ وسنةٌ في آن.
وحين أدرك سالم أن الفتى قد ابتعد بما يكفي، وأن الرسالة خرجت، حاول أن ينسحب خطوةً ليحفظ نفسه إن أمكن.
لكنه كان قد أُخذ بطعنةٍ أو ضربةٍ غادرة من الخلف أو الجانب، ليست مميتةً في لحظتها بالضرورة، لكنها عميقة بما يكفي لأن يعرف الرجل أنها قد تكون أول الدم.
ترنح.
ومع ذلك لم يسقط فورًا.
بل نظر إلى واحدٍ منهم بعينٍ فيها من الثبات ما جعل الرجل نفسه يتراجع لحظةً، كأنه رأى أمامه شيئًا أكبر من مجرّد قرويٍّ وقع في الكمين.
ثم قال سالم بلهجةٍ خرجت من عمق نفسٍ لا تزال قائمة:
— لن تأخذوا الطريق.
ولم تكن الجملة نبوءةً،
بل كانت خلاصة الرجل الذي عرف أن رسالته الآن لم تعد الورقة التي حملها،
بل أن يبقى في موضعه ما استطاع حتى لا يجرؤوا على اللحاق بما خرج من يده.
ثم سقط.
أما الفتى، فقد ركض كأن البوسنة كلها تلهث وراءه.
لم يلتفت.
ولم يبكِ.
ولم يفكر إلا في شيءٍ واحد:
أن يصل.
وصل إلى أول بيتٍ آمن، ثم إلى أول رجلٍ من رجالهم، ثم انطلقت الرسالة من قلب الكمين إلى بيت سعيد قبل أن يبرد الدم على الحجر.