الفصل المئتان وواحد وأربعون: الرجل الذي كان يعرف الطرق
كان في دائرة عبدالله رجلٌ لا يكثر الناس من ذكر اسمه في المجالس، لكنه من أولئك الذين إذا غابوا ظهر فجأة كم كانوا يحملون من أثقالٍ لا يراها أحد.
اسمه سالم بن راشد.
لم يكن شيخًا كبيرًا، ولا عالمًا مشهورًا، ولا تاجرًا من وجوه السوق، بل كان من رجال الطريق.
يعرف المسالك التي تصل القرى ببعضها حين تُغلق الطرق الرسمية.
ويعرف من أين تُؤتى القوافل إذا أريد أن تُحمى، ومن أين تمرّ إذا أريد أن تصل إلى الأرامل والمرضى من غير ضجيج.
وكان من أولئك الرجال الذين لا يطلبون المقام، لكنهم إذا وُضعوا في قلب العمل صاروا أعصابه الدقيقة.
عرفه عبدالله في الأيام التي اشتد فيها البرد والجوع، حين كان سالم يحمل القمح والدواء والرسائل، ويصل بين المخازن والقرى والبيوت بخفة رجلٍ يعرف أن بقاءه في الظل جزء من نجاحه.
وكان شديد الصمت، لا يفضح الأسرار، ولا يتكلم عن نفسه، ولا يتصنع الزهد أو البطولة، بل يفعل ما عليه ثم يمضي كأن شيئًا لم يكن.
وقد لاحظه سعيد مرةً بعد مرة، فقال لعبدالله:
— هذا من الرجال الذين لا يُسأل عنهم كثيرًا، فإذا قيل: أين هو؟ عرفت أن غيابه أثقل من حضور كثيرين.
فقال عبدالله:
— نعم.
وفيه صدقٌ لا يكثر الكلام عنه لأن صاحبه لا يحب الكلام أصلًا.
وكان سالم متزوجًا، له زوجة صابرة اسمها هند، وطفلان صغيران، وبيتٌ متواضع عند طرف قرية لا تلفت النظر.
وكانت هند تعرف من زوجها أنه ليس رجل سوقٍ أو أرضٍ فقط، بل رجل يحمل شيئًا أكبر، لكنها لم تكن من النساء اللواتي يطالبن بأسرار الرجال، ولا من اللواتي يقتلن الشجاعة في بيوتهن باسم الخوف.
وكانت إذا سألته بعض الليالي:
— هل الأمور تشتد؟
قال:
— نعم.
فتقول فقط:
— إذن احفظ قلبك، وأنا أحفظ البيت.
وفي زمن الاصطفاف الجديد، صار سالم من أهم رجال طبقة الظلال.
يأخذ الرسائل إلى من ينبغي أن يعلم،
ويرجع بأخبار الطريق،
ويبدل المسالك إذا أحس بعينٍ تتبعه،
ويعرف من القرى من يثبت إذا طُلب منه شيء، ومن ينبغي أن لا يُحمّل فوق قدره.
ولم يكن يحب أن يجلس طويلًا في المجالس التي يكثر فيها الكلام عن عبد الملك والمواجهة والسلطة، لا لأنه لا يؤمن، بل لأنه كان يرى نفسه في بابٍ آخر من أبواب النصرة:
باب الرجل الذي يُبقي الطريق مفتوحًا،
والحبوب سالمة،
والرسالة واصلة،
والعين الزائدة بعيدة عن موضع السر.
لكن الأقدار حين تبدأ، لا تسأل الرجال: في أي باب أحببتم أن تُختبروا؟