الفصل المئتان وسبعة وثلاثون: أحمد… أول موضع يصلي فيه بالناس في مكة
وفي مكة، كان أحمد يقترب من أول موضع لا يُنسى.
بعد شهور من القراءة والاختبار والمجالس والرهبة، جاء اليوم الذي قيل له فيه — لا على هيئة منصبٍ بعد، بل على هيئة ثقة أولى — أن يتقدم في صلاةٍ في موضعٍ من مواضع الحرم أو في حلقةٍ معتبرة، يسمع فيها الناس صوته في موضعٍ لم يعد فيه ضيفًا فقط.
كانت اللحظة عليه أثقل من أن تُوصف بسهولة.
فهو يعرف أين يقف.
ويعرف ما يعني أن يقرأ في بيت الله لا باعتباره فتىً زائرًا، بل باعتباره رجلًا فُتح له باب.
ولم يكن في نفسه فرحٌ فقط،
بل رهبة تلامس الخوف الصالح.
وقف.
وكان في قلبه، في تلك اللحظة، كل شيءٍ معًا:
أمه،
وأباه،
والبوسنة،
والبيت،
وأخوه الذي يدخل أيام الاصطدام،
والنساء اللواتي ينتظرن صوته أن يبقى خالصًا لله،
والرؤيا القديمة التي كانت ترفرف في صدر أمه ثم صارت تقف الآن معه على الأرض.
قرأ.
ولم يكن صوته هذه المرة مجرد صوتٍ حسن، بل صوت رجلٍ مرّت عليه المقامات، فزادت فيه السكون، لا التكلّف.
وشعر بعض من سمعه أن في قراءته شيئًا من الوجع البعيد لا يفسده الجمال، بل يجعله أصدق.
وبعد الصلاة، اقترب منه أحد الشيوخ، وقال:
— يا أحمد،
إذا أثبتك الله على هذا، فاعلم أن الطريق لم يعد بعيدًا.
لكن لا تفرح بالقرب،
فإن الطريق إلى المحراب يضيق على من يحب القرب من نفسه أكثر من قربه من الله.
وكتب أحمد إلى البيت رسالةً أخرى، قصيرة كالعادة، لكنها هذه المرة أشد وقعًا:
“وقفت اليوم،
وكنت بين يدي الله أصغر مما ظننت نفسي يوم خرجت،
وأكبر مما كنت قبل أن أرى بيته.
ادعوا لي أن يثبتني ولا يسلمني للصورة.”
وحين قرأتها صفية، وضعتها على صدرها طويلًا، ثم بكت.