الجزء الثامن والعشرون: الوجوه التي خرجت إلى الشمس

الفصل المئتان وخمسة وثلاثون: عبدالله يختبر الصدق بعد الكلام

⏱ 1 دقيقة للقراءة 📖 0 كلمة
الفصل المئتان وخمسة وثلاثون: عبدالله يختبر الصدق بعد الكلام

لم يكن يكفي عند عبدالله أن يسمع الرجال يقولون: نعم.

فهو يعلم — أكثر من كثيرين — أن بعض الكلمات تصدق لحظة خروجها، ثم تهتز إذا نام صاحبها ليلًا، أو إذا عاد إلى زوجته وأولاده، أو إذا تخيل العقوبة على أرضه ورزقه.

ولهذا، لم يعتبر مجلس الشيخ يونس ومن معه نهاية الاختبار، بل بدايته.

خرج في الأيام التالية إلى القرى التي ينتمي إليها هؤلاء الرجال، لا ليجسس على كذبهم، بل ليعرف كيف تلقّت البيوت تلك الكلمة.

زار دار الشيخ يونس، فرأى زوجته العجوز أكثر ثباتًا مما توقع.
قالت له:
— إذا خرج اسمه مع اسمكم، فلا تتركوه وحده.
فضحك عبدالله من داخله، لأن المرأة فهمت موضع زوجها في هذه الساعة أكثر من بعض الرجال.

ثم زار بيت التاجر حسان.
ورأى في زوجته خوفًا مشروعًا، لكنها لم تحاول أن تكسر قرار زوجها.
بل قالت:
— أخاف نعم… لكنني أخاف أيضًا أن يعيش أولادي وهم يرون أباهم يعرف موضع الحق ثم يبيع قلبه ليحفظ بعض المال.

فهنا، اطمأن عبدالله إلى أن هذا الرجل لن ينكسر بسهولة، لأن البيت الذي يعود إليه ليس قبرًا لشجاعته.

أما العالم عبدالرؤوف، فوجد حوله بعض الطلبة والمترددين بين الشجاعة والحذر.
وكان هنا موضع دقيق.
إذ إن العالم إذا تكلم، فتح كلامه على أتباعه أبوابًا كثيرة، وليس كلهم يثبتون على القدر نفسه.
ولذلك، جلس به عبدالله، وقال:
— يا شيخ، لا أريد منك أن تكثّر الكلام في الناس قبل أوانه.
فإن بعض القلوب الصغيرة إذا حملت من الكلام أكثر مما يحمل عملها، انكسرت في أول فتنة، وظنت أنها انكسرت عن حقٍّ هي أصلًا لم تكن مؤهلة له.
أومأ الشيخ، وقال:
— فهمت.
التثبيت لا يعني أن نصبّ الزيت في كل مصباح قبل أن نعرف أيها يحتمل النار.

وكان لهذا الفهم أثرٌ عظيم.

عاد عبدالله إلى أبيه، ورفع إليه خلاصةً لا عن الرجال فقط، بل عن بيوتهم.
وقال:
— بدأت الوجوه تخرج،
لكنني مطمئن إلى أن البيتين الأولين ثابتان،
وأما الثالث، فيحتاج إلى أن يُضبط كلامه حتى لا يسبق أتباعه طاقتهم.
فقال سعيد:
— هذا خير.
فإن من لم يعرف أن البيعة لا تخرج من أفواه الرجال وحدها، بل من البيوت التي تعود إليها أفواههم، لا يعرف نصف السياسة.