الجزء الثامن والعشرون: الوجوه التي خرجت إلى الشمس

الفصل المئتان وأربعة وثلاثون: الشيخ يونس يخرج أولًا

⏱ 1 دقيقة للقراءة 📖 0 كلمة
الفصل المئتان وأربعة وثلاثون: الشيخ يونس يخرج أولًا

جاء المجلس الصغير.

جلس فيه سعيد، وعبدالملك، وعبدالله، والشيخ عبدالرؤوف، والتاجر حسان، والشيخ يونس، ورجلان آخران من وجوه القرى التي سبق أن ثبّتت الجسور والمخازن والطرق.

كان المجلس خاليًا من الزخرفة، لكنه ممتلئ بالمعنى.
فمثل هذه اللحظات لا تحتاج أثاثًا كثيرًا، بل تحتاج أن يكون الهواء نفسه صادقًا.

تكلموا أولًا في أحوال الناس بعد القرار.
ثم في الخوف الذي دخل بعض القلوب.
ثم في تضييق السلطة على الرجال والطرق.
ثم صمتوا.

وكان صمتًا يعرف الجميع أنه ليس فراغًا، بل العتبة التي سيخرج بعدها السؤال الحقيقي.

قال سعيد بهدوئه الذي لا يخطئه من يعرفه:
— لا أريد أن أستخرج من أحدكم كلمةً لا يحملها قلبه.
ولا أريد أن يخرج من هذا المجلس رجلٌ يقول غدًا:
أخذني الوجوم، أو غلبتني حرارة اللحظة.
اليوم، لا أطلب محبةً،
ولا أطلب وفاءً لما فعلناه معكم،
ولا أطلب أن تردوا الجميل.
أنا أطلب شيئًا واحدًا:
أن يعرف كل واحدٍ منكم هل هو ممن يخرج اسمه مع هذا الاسم إذا جاء الوقت، أم لا.

ساد الصمت.

كان عبدالملك ينظر إلى الأرض أولًا، لا لأنه يخاف عيون الرجال، بل لأنه لا يريد أن يسرق منهم حرية اللحظة بوقع نظرته.

وأما عبدالله، فكان ينظر في الوجوه كما لو أنه يسمع ما لا يُقال فيها.

أول من تكلم لم يكن التاجر،
ولا العالم،
بل الشيخ يونس.

وكان شيخًا كبيرًا، جفّت لحيته من برد السنين، وأكلت التجارب من وجهه ما جعل كل كلمةٍ تخرج منه تشبه الحصى الذي استدار من كثرة ما جرى عليه الماء.
قال:

— أنا عجوز.
ولا أظن أنني سأرى من مقبل الأيام بقدر ما سيراه الشباب.
لكنني رأيت من الماضي ما يكفيني لأعرف الفرق بين رجلٍ يُحتاج إليه في النوائب، ورجلٍ ينبغي أن تمشي البلاد وراءه إذا اشتد الظلم.
وقد رأيت هذا البيت في الخبز،
وفي الطريق،
وفي الستر،
وفي حفظ النساء،
وفي ردّ المظالم،
ورأيت هذا الفتى…
ثم التفت إلى عبدالملك للمرة الأولى مباشرة:
— ورأيتك في الغضب،
وفي الصبر،
وفي المخزن،
وفي الجسر،
وفي الكلام الذي لا يبيع الناس أوهامًا.
فإن سألتني اليوم: أأخرج اسمي مع اسمك إذا خرجتَ؟
فإني أقولها على رؤوس من في هذا المجلس:
نعم.

كان وقع الكلمة في المجلس مختلفًا عن كل ما سبق.

فهذا ليس شابًا متحمسًا،
ولا رجلًا يطلب بابًا عند القادم،
ولا واحدًا من المنتفعين.
هذا شيخ يعرف أن ما بقي له من العمر أقل مما مضى، ومع ذلك مدّ اسمه إلى الشمس.

رفع عبدالملك رأسه أخيرًا، ونظر إليه نظرةً طويلة، ولم يجد ما يليق بتلك اللحظة إلا أن يقول:
— أسأل الله أن لا يفضحني فيك.
فقال الشيخ:
— بل سل الله أن لا يفضحنا في أنفسنا إذا جاء يوم الثبات.

ثم تكلم بعده التاجر حسان.
وكان رجلًا عمليًا، لا يحب العبارات الكبيرة، ولا يُخرج كلمته إلا إذا حسب ثمنها في السوق والبيت والطريق.
قال:
— أنا لست من أهل الخطب.
لكنني أعرف شيئًا واحدًا:
لو تركتُ هذا البيت اليوم خوفًا على تجارتي، ثم جاء غيره فاستباحها هو وغيره، فما ربحت؟
أنا لا أقف معك لأني أحب المغامرة.
أنا أقف لأنني رأيتُ النظام فيكم،
ورأيت الفوضى فيهم.
فإذا خرجتَ، خرجتُ معك.

ثم جاء دور العالم عبدالرؤوف.
قال:
— أنا أخاف على العلم إذا دخل في هذه الأبواب من باب الهوى.
لكنني كذلك أخاف عليه إذا تفرج على الظلم حتى يصير حياده إثمًا.
وقد رأيت فيكم — إلى الآن — من العدل والحياء من الله ما يجعلني أرجو أن وقوفي معكم ليس وقوفًا مع رجالٍ يطلبون الملك لأنفسهم، بل مع مشروعٍ إن قُدِّر له أن يقوم كان فيه من الخير ما نرجو.
وأقولها:
إذا جاء يوم الإعلان، لن أكون في الخلف.

خرج الرجال من المجلس، ولم يكن في التاريخ المكتوب شيء قد حدث.
لكنّ التاريخ الحقيقي كان قد تغيّر.
فقد خرج أول اسم من الأسماء الكبيرة إلى الشمس، ثم تبعه آخر، ثم آخر.
ومن بعد هذا، لا تعود الأمور كما كانت.