الجزء الرابع والعشرون: أول الضرب… وأول الثبات

الفصل المئة وسبعة وتسعون: الضربة التي لم تكن من الخارج فقط

⏱ 1 دقيقة للقراءة 📖 0 كلمة
الفصل المئة وسبعة وتسعون: الضربة التي لم تكن من الخارج فقط

كما حذر سعيد من قبل، فإن أخطر ما في المراحل الكبرى أن تأتي الضربات لا من الخارج الصريح وحده، بل من الخارج الذي يجد له شقًّا في الداخل.

وفي هذه المرحلة، ظهر رجلٌ من بعض الدوائر القريبة، ليس من أصل البيت، لكن من المحسوبين على بعض أعماله أو محيطه.
كان يبدو مخلصًا، ثم ظهر أنه يضيق كلما اتسع دور عبدالملك، ويخشى أن يُنسى اسمه في ظلال الجيل الجديد.

بدأ هذا الرجل ينقل الكلام بتلوين خبيث:
يقول لبعض الكبار إن عبدالملك متعجل،
ويقول للشباب إن سعيد يؤخره أكثر مما ينبغي،
ويقول لبعض النسوة إن فاطمة إن دخلت البيت الملكي ضاع البيت عن البوسنة،
ويقول لبعض أهل العلم إن خروج أحمد إلى مكة قد يكون إبعادًا له عن قلب المشروع.

كانت كلماتٌ صغيرة، لكنها من النوع الذي لا يريد أن يضرب المشروع من خارجه، بل يريد أن يزرع بين مفاصله ظنونًا تكبر وحدها.

وهنا، ظهر دور صفية على وجهٍ بديع.

فقد التقطت النسوة بعض هذه الهمسات قبل الرجال.
ورأت فيها لا مجرد غيرةٍ أو حسد، بل محاولة لصناعة شقوق عاطفية داخل البيت والدائرة القريبة.
فجلست مع مريم وخديجة وعائشة، ومع بعض النساء الثقات، وقالت:
— الهمسات التي تأتيكم لا تنقلنها كما تأتي.
فبعض الكلام إذا خرج من فمٍ فاسد، لا يُردّ بأن يطاف به في البيوت، بل بأن يُقطع في موضعه.
وإن سمعتم ما يمس البيت أو الإخوة أو مشروعهم، فردّوه إلى أصله، لا إلى لذّة الكلام عنه.

ثم أخبرت سعيدًا.

وقال عبدالله حين سمع:
— هذا رجل لا يريد أن يسقطنا بضربة، بل يريد أن يجعلنا نأكل بعضنا ببطء.

ولم يتعجلوا فضحه.
بل تركوه ينكشف في أكثر من موضع، حتى تجمعت عليه الشهادات، ثم قُطع من قلب الدائرة لا بضجة، بل ببرودٍ صارم.
وأُبعد عن المواضع التي يعرف منها الأسرار، حتى فهم من نفسه أنه عوقب من غير حاجة إلى مشهدٍ كبير.

قال سعيد لعبدالملك بعد ذلك:
— احفظ هذه القاعدة:
ليس كل من يطعنك يريد أن يقتلك سريعًا.
بعضهم يريد فقط أن يُفسد فيك الثقة بمن حولك، فإذا فعل، سقطتَ بنفسك.

وحفظ عبدالملك ذلك، لأنه أدرك أن المُلك لا تحوطه السيوف فقط، بل تُحاط به الصدور أيضًا.