الجزء الرابع والعشرون: أول الضرب… وأول الثبات

الفصل المئة وستة وتسعون: فاطمة… أول الاستخارة الكبرى

⏱ 1 دقيقة للقراءة 📖 0 كلمة
الفصل المئة وستة وتسعون: فاطمة… أول الاستخارة الكبرى

أما فاطمة، فقد جاءها بابها على هيئةٍ أكثر وضوحًا كذلك.

وصل خطابٌ رسمي كريم، فيه طلب أن يُفتح باب الخطبة على أصوله الشرعية بين الأمير ابن الملك وبين بيت صفية وسعيد، مع تمام الاحترام لحق الاستخارة والسؤال والتثبت.

كانت تلك لحظةً عظيمة في البيت، لكن عظمتها لم تأتِ على صورة زغاريد الفرح الساذج، بل على صورة هيبةٍ.

فهذا ليس زواجًا من بيتٍ غني أو وجيه فحسب،
بل دخول ابنة من بنات هذا البيت إلى البيت الذي سيكون من أعمدة التثبيت القادم للمشروع كله.
ومع هذا، لم يكن سعيد ولا صفية ممن يبيعون بناتهم على مذبح النفوذ.

جلسا، وقرآ الخطاب، وسكتا طويلًا.

ثم قال سعيد:
— لن يغرّنا الاسم.
قالت صفية:
— ولن يغرّنا القرب من الحكم.
قال:
— نعم.
أريد أن أعرف الرجل، لا اللقب فقط.
وأريد أن أعرف قلبه، ودينه، وهيئته في النساء والضعفاء، لا فقط هيبته في المجالس.
قالت:
— وأنا أريد أن أطمئن أن فاطمة تدخل بيتًا يليق بها، لا بيتًا يأخذ نورها ليزين به جدرانه.

ثم استدعيا فاطمة.

كانت قد بلغت من النضج ما يجعل الكلمة تُفهم في قلبها على حقيقتها.
جلست بين أبويها، وكان في وجهها من السكون ما جعل صفية تمتلئ رحمةً بها.

قال سعيد:
— جاء باب.
خفضت بصرها.
فأكمل:
— من بيتٍ عظيم.
لكننا لا نقيس الرجال ببيوتهم فقط.
ونريد أن نسمع قلبكِ أيضًا.
قالت فاطمة بهدوء:
— إن رضيتم دينه وخلقه، ورأيتم أن الله فيه خيرًا، فأنا أستخير ربي وأمضي.
قالت صفية:
— ولا شيء في قلبكِ؟
رفعت عينيها، وقالت:
— في قلبي خوف.
ابتسمت أمها، وقربتها منها:
— وهذا خير.
فالمرأة التي لا تخاف من البيوت الكبيرة، لا تعرف ما فيها من الثقل.

ثم جرت الاستخارة، والسؤال، والتثبت.
وكانت نتائج السؤال حسنة، بل مطمئنة.
فالأمير لم يكن من أبناء القصور الذين تأكلهم النعمة، بل كان فيه من الدين والرجاحة وحسن التربية ما جعل الباب يزداد وضوحًا.

ولم يُعلن الأمر بعد على نطاق واسع.
لكنه انتقل من طور الاحتمال إلى طور السير.

وهكذا، في الوقت الذي كان عبدالملك يقترب من أول الظهور السياسي،
كان أحمد يقترب من أول أبواب مكة،
وكانت فاطمة تقترب من أول أبواب البيت الملكي.

وكان البيت كله يدخل طورًا جديدًا من الانفتاح على العالم.