الجزء الثالث والعشرون: البيعة التي خرجت من الهمس

الفصل المئة وستة وثمانون: مجلس أحمد ومحمد أمام العلماء الكبار

⏱ 1 دقيقة للقراءة 📖 0 كلمة
الفصل المئة وستة وثمانون: مجلس أحمد ومحمد أمام العلماء الكبار

في تلك المرحلة، لم يعد من الممكن أن يبقى أحمد ومحمد في حدود البوسنة وحدها.

كانت الرسائل قد بدأت تتكرر.
وأهل العلم في بعض الأمصار يريدون أن يروا هذين الفتيين اللذين خرجا من بيت الأوقاف والعدل، لكنهما يحملان أيضًا طريق الحرمين في وجهيهما.

ولذلك، رتّب سعيد، بمعونة من صلاته القديمة وبمباركة البيت السعودي وبعض أهل الفضل، مجلسًا علميًا كبيرًا حضره علماء من أمصار متفرقة، في موضعٍ يليق بالاختبار لا بالدعاية.

جلس أحمد أولًا، وقرأ.
وكان صوته قد ازداد نضجًا، لا من جهة الجمال فقط، بل من جهة الصدق الداخلي.
وأما محمد، فقد سُئل في الفقه واللغة والنظر، وأجاب على طريقته:
قليلًا، لكن إذا أجاب وضع الجواب في موضعه كأنما أخرجه من بئرٍ لا من سطح ماء.

ولما انفضّ المجلس، قال أحد كبار العلماء:
— في هذا البيت رجلان من طينة إمامين، لكن كلًّا منهما على طريق.
أحدهما سيقود الناس بالنور الذي يسمعونه.
والآخر بالنور الذي يزنونه بعد أن يسمعوه.

ووصل الخبر إلى البيت.
لكن سعيد لم يتركه يمرّ على الفتيين كما تمرّ البشارات على من لا يعرفون خطورتها.

قال لهما:
— إذا شهد لكم العلماء، فاشكروا الله.
لكن اعلموا أن شهادة الرجال لا ترفعكم عند الله إن لم تزدكم خوفًا من أن تُخذلوا في موضع العلم.
ثم أضاف:
— الحرمين لا يحتاجان أصواتًا حسنة فقط، ولا عقولًا تحفظ المتون فقط،
بل يحتاجان رجالًا إذا وقفت الأمة خلفهم لم يُفسدهم ذلك.

ولم ينسَ أن يربطهما بأخيهما عبدالملك وعبدالله، فقال:
— واعلما أيضًا أن العلم إذا انفصل عن وجع الناس صار زينةً.
فلا تغتربا في العلم حتى تظنا أنكم لستما من هذا البيت، ولا من هذه البلاد، ولا من هذه الأمانة.

وكان لهذا الكلام أثرٌ بالغ، لأن الفتيين شعرا أن طريقهما إلى الحرمين ليس خروجًا من البيت، بل امتداد له من جهة السماء.