الفصل المئة وخمسة وثمانون: عبدالله… الرجل الذي بدأ يعرف الرجال
لم يعد دور عبدالله في هذه المرحلة مقصورًا على إصلاح ما يقع بين الناس بعد وقوعه، بل بدأ يدخل إلى طبقةٍ أعمق:
معرفة الرجال من قبل الحاجة إليهم.
كان سعيد قد رأى أن المرحلة القادمة لا تحتمل الارتجال في الرجال.
فالبلاد إذا دخلت طورًا جديدًا، احتاجت إلى من يحمل السر،
ومن يحمل الكلمة،
ومن يُؤمَن على الطريق،
ومن يضع نفسه في الموضع الخطر ثم لا يتكلم عنه،
ومن إذا هُزّ قليلاً انقلب،
ومن إذا أُعطي شيئًا باع.
ولهذا، جعل عبدالله يخرج في مجالسٍ ظاهرها زيارة أو صلح أو متابعة أوقاف، وباطنها اختبار طباع الرجال.
كان يذهب إلى القرى، ويجلس مع الشيوخ، ويصمت طويلًا، ويترك الرجال يتكلمون.
فالرجل لا ينكشف غالبًا في الجواب الذي يعدّه لسؤالٍ مباشر، بل ينكشف فيما يقوله حين يظن أن الجالس أمامه لا يحاكمه.
تعلم عبدالله أن يرى من أين يخرج الطمع في الجملة.
ومن أين يتسلل الحسد في الثناء.
ومن أين يفوح الخوف من كثرة الحلف.
ومن أين يدلّ الصمت على ثقلٍ يمكن الوثوق به، أو على جُبنٍ يتخفى.
وذات يوم، عاد إلى سعيد، وقال:
— فلان صادق، لكن خوفه على أولاده أكبر من قدرته على الثبات إذا اشتدت الأمور.
وفلان يحبنا، لكنه يحب قربنا أكثر مما يحب الحق نفسه.
وفلان لا يملك لسانًا في المجالس، لكنني أظنه إذا وقع البلاء كان أصلب من كثير من المتكلمين.
وفلان لا ينبغي أن يُؤخذ بالظاهر، ففي عينه شيءٌ يطلب لنفسه بابًا عند كل تحوّل.
نظر إليه سعيد، وفي وجهه رضًى لا يخطئه من يعرفه.
قال:
— الآن بدأت تعرف الرجال.
واعلم أن البلاد لا يحكمها الحق وحده، بل الرجال الذين يحملونه.
فإن أخطأتَ في الرجال، أتعبك الحق نفسه.
ثم قال له:
— وأخطر من الرجل الخائن الواضح، الرجل الذي يحب العدل ما دام يمرّ من بابه هو.
فظلت هذه العبارة تدور في رأس عبدالله طويلًا.
وكان يعلم أن أباه لا يضع الكلمات في مكانها عبثًا، بل يفتح له بها طبقةً جديدة من الفهم.