الجزء الثاني والعشرون: البيعة التي بدأت في القلوب

الفصل المئة واثنان وثمانون: العتبة الأخيرة قبل الإعلان

⏱ 1 دقيقة للقراءة 📖 0 كلمة
الفصل المئة واثنان وثمانون: العتبة الأخيرة قبل الإعلان

في آخر هذه المرحلة، خرجت صفية ليلًا إلى الموضع الذي اعتادت أن تقف فيه إذا ضاق قلبها بالمعنى لا بالحزن.
كان البيت ساكنًا، والبوسنة في الخارج باردة، والنجوم بعيدة، والريح تتحرك في أطراف الأشجار.

جاءها سعيد، ووقف جوارها.

قالت:
— أشعر أننا وصلنا إلى العتبة الأخيرة قبل أن يصبح كل شيءٍ مكشوفًا.
قال:
— نعم.
— وتخيفني الكشوفات.
— لأن الكشوفات لا تُظهر الخير وحده، بل تُظهر من حوله الشر كله كذلك.

ثم سكتا.

وقالت بعد حين:
— أتذكر أول ليلةٍ جاءني فيها الرجل الصالح في المنام؟
أطرق، وقال:
— وكيف تُنسى؟
— يومها كان كل شيء بعيدًا، حتى كاد يشبه المستحيل.
واليوم…
— اليوم؟
— اليوم أكاد ألمس ما رأيته.
وأخاف.
قال:
— ولا بأس أن تخافي.
لكن لا تخافي خوف من يشك في وعد الله، بل خوف من يعلم أن الوعد إذا جاء، جاء معه امتحانه كاملاً.

ثم أخذ يدها، وقال:
— اسمعي يا صفية:
قد يأتي اليوم الذي تقفين فيه وترين عبدالملك أمام الناس لا كما ترينه الآن في بيتك،
وترين عبدالله إلى جواره،
وترين أحمد ومحمد يلمع اسماهما في طريقٍ يخرج من هذه البلاد إلى الحرمين،
وترين فاطمة تُطلب إلى بيتٍ ملكي،
وترين البنات يدخلن البيوت الكبيرة،
وترين الأوقاف تصير إمبراطورية رحمة،
فلا تقولي يومها:
“هذا ما حلمت به.”
بل قولي:
“هذا ما اختبرنا الله به.”

نظرت إليه طويلًا.
ثم قالت:
— لن أنسى.

وكانت هذه الكلمة، في تلك الليلة، كالعهد بينهما.
عهد أن لا تبتلعهما الصورة عن المقصد،
ولا يُفسدهما الظهور عن أصل ما خرجا منه:
فتاة ضائعة اسمها سارة،
صارت صفية،
ورجلٌ رأى فيها كنزه،
فبنى معها بيتًا صار قدر بلد.

وفي الخارج، كانت البوسنة لا تعلم أن بين جدران هذا البيت، وفي هذه الليلة الباردة، قد انتهت تقريبًا آخر مرحلةٍ من المراحل الخفية.

فالمرحلة التالية لن تكون تهيئةً للمُلك فقط،
بل ستكون:

إعلانَ الاصطفاف،
وبدء البيعات،
وتقدم عبدالملك إلى الواجهة بوجهٍ لا رجعة بعده،
واشتداد الحرب الخفية والظاهرة عليه،
ثم أول المعارك السياسية والاجتماعية التي سيعرف بها الناس أن زمن الظل قد انتهى،
وأن البوسنة لم يعد لها فقط بيت عدل…
بل صار لها ملكٌ يقترب من اسمه.