الفصل المئة وثلاثة وسبعون: صفية عند حافة الخوف والفخر
في تلك المرحلة، صار قلب صفية يحمل من التناقض الجميل المرّ ما لا يطيقه إلا قلب أمٍّ ترى أبناءها يخرجون واحدًا بعد آخر من تحت جناحها إلى أقدارهم.
كانت ترى عبدالملك يقترب من الصورة التي رأتها يومًا في المنام، فيشتد قلبها فخرًا، ثم يلين خوفًا.
وترى أحمد يقرأ فيبكي الناس، فتشكر الله، ثم تخشى عليه من نفسه.
وترى محمدًا يزداد عمقًا وهيبة، فتطمئن، ثم تخاف من أن يبتلعه الصمت أكثر مما ينبغي.
وترى عبدالله يحمل ما بين الناس من خيوط، فتقول في نفسها:
“هذا سيُتعبه حملُ الناس يومًا.”
وترى البنات يقتربن من البيوت والدوائر الكبرى، فتفرح لقدرهن، ثم ترجف من المصائر التي قد تخفيها المكانة.
وذات ليلة، بعدما نام البيت كله، جلست وحدها، وأخذت تكتب أو تتأمل أو تمسك مسبحتها، لا فرق…
المهم أن روحها كانت على حافة دعاء طويل.
دخلت عليها مريم ابنتها الكبرى، فرأتها كذلك، فقالت:
— أتبكين يا أمي؟
مسحت صفية دمعةً خفيفة، ثم ابتسمت:
— أبكي وأحمد الله.
جلست مريم قربها، وقالت:
— أخاف أن نصير كبارًا فنخرج من قلبك.
هنا تهزّ وجه صفية كله، كأن السؤال مسّ موضعًا حساسًا لم تجرؤ هي نفسها على تسميته.
أخذت ابنتها إلى صدرها، وقالت:
— ما خرجتم من قلبي يوم كنتم صغارًا، ولن تخرجوا إذا كبرتم.
لكن القلب إذا كبر أولاده، لا يعود يبكي عليهم من السقوط الصغير فقط…
بل يبكي عليهم من الأقدار الكبيرة أيضًا.
سكتت مريم، ثم قالت:
— وهل هذه الأقدار تخيفك؟
قالت صفية:
— نعم.
لكني لا أريد أن أخاف منها حتى أحبسكم عنها.
أريد أن أخاف خوفًا يجعلني أدعو لكم أكثر، وأربيكم أحسن، وأتعلق بالله لا بقدرتي أنا عليكم.
وكانت هذه الليلة من الليالي التي فهمت فيها مريم شيئًا عميقًا عن أمها:
أن الأم القوية لا تعني أنها لا تخاف،
بل تعني أنها لا تجعل خوفها قفصًا لأولادها.