الفصل المئة وستة وستون: مجلسُ “كيف”
كان السؤال القديم قد تبدّل أخيرًا.
لم يعد أحدُ العقلاء في البوسنة يسأل همسًا:
هل عبدالملك في الطريق؟
ولا حتى يقول بترددٍ محكوم بالحذر:
متى؟
بل صار السؤال، في المجالس التي تعرف وزن الكلام، وفي الصدور التي تعبت من تأجيل العدل، سؤالًا آخر أشد نضجًا وأشد خطرًا:
كيف؟
كيف يخرج عبدالملك من ظلِّ البيت إلى فضاء البلاد من غير أن تُحرقه العيون قبل أوانه؟
كيف تُنقل البوسنة من اعتمادها على عدلٍ خفيّ يسري في الناس كالماء، إلى عدلٍ ظاهرٍ قائمٍ له وجهٌ ورايةٌ ونظام؟
كيف يُفعل ذلك من غير أن تتحول البلاد إلى رمادٍ بين كفَّي سلطةٍ مذعورة وقومٍ متحمسين؟
وكيف يُحفظ في الطريق الدين والناس والبيوت والأيتام والنساء، فلا يصير المشروع كله مجرد انتقال حكمٍ من اسم إلى اسم؟
لهذا، جاء المجلس الذي عُرف في قلب سعيد وصفية، ثم في ذاكرة البوسنة لاحقًا، باسم:
مجلس “كيف”.
كان الليل ثقيلاً، والبرد البوسني يلفُّ أطراف الدار، والسماء ملبدة على نحوٍ يوحي بأن الشتاء لم يفرغ بعد من امتحان الأرض.
وفي المجلس الكبير، جلس سعيد، وإلى جواره تقي الدين، ثم عماد الدين، وبدر الدين، وحسام الدين، وبعض من ثبتت عقولهم وصدقهم من وجهاء القرى والعلماء والتجار، وجلس عبدالملك وعبدالله في طرفٍ قريب، لا في صدر المجلس، لكن لا على هيئة الصغار الذين جاؤوا للسماع فقط، بل على هيئة من يُراد له أن يسمع لأنه سيدخل بعد ذلك في الفعل.
بدأ سعيد الكلام ببطء، كعادته حين يريد أن يجعل للكلمات وزنًا لا صدى.
قال:
— إن أخطر ما يفسد البلاد إذا اشتاقت إلى العدل أن تستبدل ظلمًا بفتنة، أو سلطانًا غريبًا بصوتٍ عالٍ لا يعرف كيف يحكم.
ونحن، منذ دخلنا هذه الأرض، لم نبنِ خبزًا ومجالس علمٍ وأوقافًا وحلولًا للنزاعات لنصل في آخر الطريق إلى هياجٍ يلتهم ما بنيناه.
ثم سكت، ونظر إلى الوجوه أمامه، وأكمل:
— لن يكون الظهور صرخة.
سيكون نظامًا.
والنظام لا يولد من فراغ، بل من طبقات.
طبقةٌ في الناس.
وطبقةٌ في الرجال.
وطبقةٌ في البيوت.
وطبقةٌ في القوة.
وطبقةٌ في الشرعية الأخلاقية التي تسبق الشرعية السياسية.
سأله أحد العلماء، وهو شيخٌ رقّ صوته من طول ما رأى من آلام الناس:
— وما أول هذه الطبقات يا أبا عبدالملك؟
قال سعيد:
— أن لا يخرج عبدالملك إلى الناس بوصفه طالب حكم، بل بوصفه حاملَ حملهم.
من سبق إلى قلبه الناس في شدائدهم، تبعه الحكم بعد ذلك كما يتبع الظلّ الجسد.
أما من خرج طالبًا للكرسي، ولو بوجه العدل، فربما سبقته نفسه إلى ما لا يرجوه الله له.
ثم التفت إلى ابنه، وقال:
— ولذلك، لن يكون أول ظهورك رايةً، بل مجلسًا.
ولن يكون أول سلاحك السيف، بل القدرة على جمع ما تفرق.
ولن يكون أول مقامك على منبر إعلان، بل في مواضع الشدة التي يقول الناس بعدها: لو لا حضوره لفسد الأمر.
وكان عبدالملك يسمع، وقلبه يخفق خفقًا يعرفه من وقف يومًا على باب قدره وهو يفتح.
لكنه لم يتكلم.
فأردف تقي الدين، وصوته يخرج من عمق عمرٍ طويل:
— والمُلْك الذي لا تسبقه شرعية الضمائر لا يثبت، ولو ملك الأرض كلها.
أما إذا استقر الرجل أولًا في قلوب الناس بأنه عدلهم وسترهم وملجؤهم، ثم قام، فإن قيامه يكون امتدادًا لما يعرفونه، لا تجربةً يخافونها.
هنا، قال حسام الدين، الذي كانت عينه ترى الخفي قبل الظاهر:
— لكن السلطة لن تترك هذا يتكون في سلام.
ما دام الناس يلتفون، والتجار يميلون، والعلماء يقتربون، والقرى تعود إلى هذا البيت في نوازلها، فالعيون الآن تكثر، والوشاة يكثرون، والحسد يكثر.
فكيف نمنع أن يسبقهم البطش إلى ضرب المشروع في قلبه؟
أجاب سعيد:
— لا نمنعه كله.
بل نستعد له.
ثم قال، وهو ينظر إلى عبدالله هذه المرة:
— وبعض الاستعداد ليس في السلاح فقط، بل في أن لا نُترك من داخلنا.
كل طريقٍ إلى المُلك الشريف يُضرب من الخارج، نعم…
لكنه إن وُجد فيه رخاوة من الداخل، كانت الضربة القاضية من الداخل لا من الخارج.
ثم نظر إلى عبدالله نظرةً فهم منها الجميع أن للفتى دورًا في هذا الباب.
ولما طال المجلس، وانفضّ آخر الليل، خرج عبدالملك وعبدالله مع أبيهما في صمت.
وكانت الأرض مبللة ببرد الشتاء، والنجوم بعيدة، والليل كأنه يحتفظ في صدره بما جرى.
قال عبدالملك أخيرًا:
— إذن أنا لن أخرج بسيفي أولًا؟
قال سعيد:
— ستخرج بما هو أثقل من السيف.
— وما هو؟
— أن يعرف الناس فيك الحق قبل القوة.
فإذا حملت القوة بعد ذلك، حملتها قلوبهم لا أيدي رجالنا وحدهم.
وسكت عبدالملك، لكنه شعر لأول مرة أن الطريق إلى ما وُعد به لن يكون مجدًا شابًا، بل عبئًا طويل النفس.