الجزء العشرون: من سؤال "هل؟" إلى سؤال "متى؟"

الفصل المئة واثنان وستون: الجوع، الناس، والاسم الذي ازداد ثقلاً

⏱ 1 دقيقة للقراءة 📖 0 كلمة
الفصل المئة واثنان وستون: الجوع، الناس، والاسم الذي ازداد ثقلاً

مرت السنة القاسية، وخرج الناس من شدتها وهم أكثر تعلقًا بالبيت من ذي قبل.

فالجوع لا ينساه الناس.
ومن أطعمهم في وقت الجوع لا يسكن عندهم كما يسكن من وعظهم أو حكم بينهم فقط.
والشتاء، حين مرّ، ترك وراءه في القلوب أسماءً لا تُمحى بسهولة.

وكان اسم عبدالملك واحدًا من هذه الأسماء.

لم يعد يذكر في القرى فقط بوصفه فتى البيت الكبير، ولا حتى بوصفه الأمل البعيد، بل صار يُذكر في جملةٍ كثيرًا ما تكررت على الألسنة:

— كان عبدالملك هنا.

كانوا يقولونها عن الطريق الذي وصل إليه الخبز.
وعن الشيخ الذي رُفع من الثلج.
وعن المرأة التي وصلها الدواء في الوقت الأخير.
وعن النزاع الذي كاد يقع على الدقيق، ثم انطفأ.
وعن الرجل الذي ردّ عنه عامل السلطة بعض ظلمه بطريقةٍ لا تجرُّ على القرية خرابًا أكبر.

ومن أخطر ما في هذه الجملة أن الاسم فيها لم يعد مستقبلًا فقط، بل صار تجربةً معاشة.

وهنا أحسّ سعيد بثقل المرحلة على وجهٍ أوضح.

قال لصفية:
— بدأ الناس يختبرونه في الخير، لا في الصورة فقط.
وهذا أجمل… وأخطر.
— كيف؟
— لأن الحب إذا بُني على تجربة، اشتدّ.
والتوقع إذا اشتدّ، صار عبئًا على من يُحمل عليه.
ثم أضاف:
— علينا أن نزيده علمًا بنفسه، لا علمًا بالناس فقط.

ومنذ ذلك اليوم، كثر بينه وبين عبدالملك الخلوات والرحلات والكلام الذي لا يسمعه الآخرون.
لم يكن يلقنه قواعد جامدة، بل كان يفتح فيه أسئلة لا تنتهي:
كيف تعرف أن الناس يحبونك لله لا لحاجتهم؟
كيف تردّ الحق إذا صار ردّه سببًا لفتنةٍ أكبر؟
كيف تحب الناس ولا تصير عبدًا لمحبتهم؟
كيف تحمل غضبك حتى لا يحملك هو؟
كيف تعرف أن العدل ليس فقط أن تعطي كل واحدٍ ما له، بل أن ترى ما يحتاجه حتى يكون هذا العطاء حقًا لا صورة؟

وكانت هذه الأسئلة تصنع فيه من الداخل أكثر مما تصنعه التدريبات والرحلات من الخارج.