الفصل المئة وثمانية وخمسون: عبدالله حين صار ظهرًا لا يُرى
إذا كان عبدالملك في تلك السنة قد خرج إلى الثلج والقرى، فإن عبدالله خرج إلى نوعٍ آخر من الميادين:
ميادين الفوضى الصامتة.
فحين يشتد الجوع، لا يحتاج الناس إلى الخبز وحده، بل يحتاجون إلى من يمنع الخصومات الصغيرة من أن تتحول إلى معارك على نصيب طحين، أو على دور في طابور، أو على أولوية في الوصول.
وكان عبدالله، بطبعه الذي يجمع الخيوط، أصلح إخوته لهذا الباب.
جعله سعيد مسؤولًا عن التنسيق بين بعض البيوت، وعن ضبط الشكاوى، وعن تسوية الخصومات التي تنشب بين الناس من أثر الضغط لا من أصل الشر.
وكان الفتى لا يزال شابًا، لكن فيه من السكينة ما يجعل الرجل الغاضب يخفض صوته أمامه من غير أن يعرف كيف.
وذات يوم، وقع خلاف شديد بين امرأتين في دار النساء على كيس دقيق.
تدخلت بعض النسوة، وكاد الأمر يخرج من موضع الحاجة إلى موضع الكرامة المجروحة.
فدخل عبدالله، ولم يصرخ، ولم يحكم من أول لحظة، بل سأل:
من كانت أولًا؟
من في بيتها أطفال أصغر؟
من أخذت آخر مرة، ومن تأخر دورها؟
ثم قال للنساء كلهن:
— إن تركنا الجوع يسرق منا العدل، صار الجوع قد أكل خبزنا وخلقنا معًا.
وسكتن.
ثم أعاد الترتيب، وطلب أن يُزاد الكيسان من موضع آخر، لكنه لم يترك أحدًا يخرج منتصرًا على أحد.
وكانت هذه قدرته العجيبة:
أن يردّ الحق، من غير أن يحوّل المجلس إلى ساحة غالبٍ ومغلوب.
فلما أخبرت صفية سعيدًا بما وقع، قال:
— هكذا يكون الرجل الذي يحمل بعد أخيه.
لا يُرى أولًا، لكنه يمنع ما لا يراه الناس إلا بعد أن يقع.
وصارت بعض النساء يقلن فيما بينهن:
— إذا اشتدّ أمرٌ في دارهم، فأقرب أبنائهم إلى فهمه من داخل البيت هو عبدالله.
ولم تكن هذه كلمةً عابرة.
بل كانت وصفًا لموضعه القدري كله.