الجزء العشرون: من سؤال "هل؟" إلى سؤال "متى؟"

الفصل المئة وسبعة وخمسون: السنة التي اختبرت الوجوه

⏱ 1 دقيقة للقراءة 📖 0 كلمة
الفصل المئة وسبعة وخمسون: السنة التي اختبرت الوجوه

ما إن خرج السؤال من صدور الرجال إلى ألسنتهم حتى تغيّر شيءٌ في هواء البوسنة كله.
لم يقع انقلاب، ولم تُرفع رايات، ولم تتبدل الحدود في ليلةٍ واحدة، لكنّ البلاد نفسها صارت كمن استيقظ من نومٍ طويل، ثم جلس على طرف فراشه، لا هو عاد إلى غفلته الأولى، ولا هو نهض نهضته الكاملة بعد.

كان السؤال يعمل في القرى والبلدات عمل الماء في الجذور:

إن لم يكن هذا البيت، فمن؟
وإن لم يكن عبدالملك، فمتى؟

ولأن الله إذا أراد أمرًا عظيمًا لم يُخرجه للناس قبل أن يمتحن معدنه، جاءت السنة التالية ثقيلة، باردة، قاسية، كأن السماء نفسها قررت أن تجعل الجوع والبرد والاضطراب امتحانًا لصدق النفوذ قبل أن يصير سلطانًا.

اشتد الشتاء على غير المعتاد.
نزل الثلج مبكرًا، ثم طال مقامه في الجبال والطرق، وتعطلت بعض القوافل، ونقصت الغلال، وارتفعت أسعار الطعام، وبدأت القرى البعيدة ترسل أخبارها لا بصوت الشكوى فقط، بل بصوت الخوف.

في بعض البيوت، صار الأطفال ينامون على جوع.
وفي بيوتٍ أخرى، صار الرجال يبيعون بعض ما يحتاجونه للأيام التالية ليدفعوا ما عليهم للسلطة أو ليشتروا ما يقي أبناءهم أسبوعًا آخر.
وأما العمّال التابعون للسلطة، فلم يجدوا في هذه الشدة إلا بابًا جديدًا للنهب والتضييق.

هنا، بان الفرق بين بيتٍ يبني مشروعًا، وبيتٍ يحسن الكلام فقط.

لم ينتظر سعيد أن تُملأ المجالس بالنواح ثم يتحرك.
فتح المخازن.
حرّك القوافل.
قسّم الرجال.
وجعل لكل ناحيةٍ رجلاً ثقة، ولكل قريةٍ خطًا معلومًا، ولكل دور النساء والأيتام حسابًا مستقلًا لا يضيع في الفوضى.

وأما صفية، فقد دخلت هي الأخرى في قلب السنة كما تدخل المرأة التي تعرف أن الرحمة إذا تأخرت ساعة في مثل هذه الأيام، ربما مات لها عند الله شيءٌ لا تحييه كثرة الاعتذار.

قسمت النساء.
أرسلت من يحصي الأرامل والمرضى والرضع.
أعادت ترتيب الأفران والمطابخ والكساء.
وأمرت أن لا يخرج الخبز إلى الناس خروج المنة، بل خروج الحق الذي لا يجوز أن يتأخر.

وفي هذه السنة، ظهر عبدالملك ظهورًا أوليًا لا تخطئه عين.

لم يُجلسه سعيد في البيت ليتعلم من بعيد، بل جعله على رأس بعض القوافل الصغيرة، وعلى بعض المسالك الوعرة، وعلى ترتيب الرجال في نقاط التوزيع، وعلى التثبت من أن الخبز يصل إلى من يحتاجه لا إلى من يسبق إليه صوته.

خرج عبدالملك في الثلج، وعلى طرق البرد والوحل، ورأى للمرة الأولى بوضوحٍ أكبر البوسنة التي سيُطلب منه أن يحملها يومًا:
رأى طفلةً تلفُّها أمها بثوبٍ واحدٍ ليس لأن البرد يسير، بل لأن البيت لا يملك سواه.
ورأى شيخًا يبكي لا لأنه جاع، بل لأنه لم يعد يستطيع أن يطعم من في بيته.
ورأى رجالًا فيهم كبرياء الفلاحين، لكنهم وقفوا أمامه وفي أعينهم ما بين الحياء والرجاء.

ولما عاد في إحدى الليالي متعبًا، وثيابه تحمل رائحة البرد والطرق، دخل على صفية، فوجدته غير الفتى الذي خرج صباحًا.

قالت:
— ماذا رأيت؟
جلس، ولم يجب فورًا.
ثم قال بصوتٍ أثقل من سنّه:
— رأيت أن الظلم لا يكون دائمًا في الضرب والسجن فقط.
قد يكون في أن تترك الناس للبرد وأنت تستطيع أن تدفئهم.

نظرت إليه طويلًا، وشعرت أن السنة القاسية فعلت في قلبه ما لا تفعله سنون الرفاه.
قالت:
— وماذا فعل ذلك بك؟
قال:
— أخرجني من نفسي أكثر.
ثم أضاف:
— كنت أظن أن العدل بابُ حكمٍ ورجالٍ ومجالس…
لكنني رأيته اليوم في رغيفٍ يصل في وقته، وفي طفلٍ لا يبيت جائعًا.

وحين أخبرت سعيدًا بما قال، أطرق طويلًا، ثم قال:
— الآن بدأ يقترب من أصل المُلك.
فالمُلك ليس أن يهابك الرجال فقط، بل أن تأمن بك الأمهات.