الجزء التاسع عشر: اقترابُ المُلك

الفصل المئة وأربعة وخمسون: أوّل رجفة في وجدان البوسنة

⏱ 1 دقيقة للقراءة 📖 0 كلمة
الفصل المئة وأربعة وخمسون: أوّل رجفة في وجدان البوسنة

كلما اشتد عود عبدالملك، وكلما رأى الناس أثره في المجالس والقرى والنزاعات، وكلما اتسعت يد الأوقاف، وكلما كبر حضور البيت في الناس، بدأت البوسنة نفسها تشعر بما يشبه الترقب.

لم يكن الناس يقولون جهارًا بعد: هذا سيحكمنا.
فالبلاد ما تزال تحت عين السلطة القائمة، وما يزال الحذر لازمًا، وما يزال سعيد نفسه لا يريد أن تُحرق المرحلة قبل أوانها.
لكن شيئًا ما في وجدان الناس بدأ يتكون.

كان الفلاح إذا عاد من عندهم يقول في داره:
— والله، لو تركوا هذا البيت يعمل في الناس أعوامًا أخرى، لتبدّل وجه البلاد.
وكان التاجر يقول لزميله:
— سعيد يعرف كيف يبني، لكن الفتى… الفتى فيه شيء آخر.
وكانت النساء يقلن في دورهن:
— صفية تبني للناس بيوتًا من الستر، وأبناؤها يكبرون بين أيدينا كأننا نراهم أبناء البلاد أيضًا.

وهذا التراكم الهادئ هو أخطر ما في النفوذ.
إنه لا يجيء بضجة، لكنّه إذا اكتمل صار كالماء تحت الأرض، لا يُرى، ثم يفاجئك يومًا فينبع من كل شق.

وقد شعر سعيد بهذا التحول.
وشعر معه بالخطر أيضًا.

قال لصفية ليلةً:
— بدأ الناس يعلقون على عبدالملك ما لم أُرد أن يعلقوه سريعًا.
قالت:
— ويخيفك ذلك؟
— نعم.
لأن العين إذا تعلقت بالفتى قبل أن يكتمل، ربما أفسدت عليه اكتماله، أو فتحت حوله من الحسد والخصومة ما لا نريد أوانه بعد.

ثم أضاف:
— علينا أن نزيده خفاءً من جهة، وإظهارًا محسوبًا من جهة أخرى.
نحن لا نحبس النور، لكننا لا نلقيه في الريح العاتية قبل أن يقوى.

قالت صفية:
— وسأحفظ قلبه من ثناء الناس ما استطعت.
قال:
— وأنا أحفظ طريقه.

وكانت صفية تعرف أن هذه من أصعب المراحل على أمٍّ في مثل موضعها.
فأن ترى الناس يلتفتون إلى ابنها، وتعلم أن فيه ما يستحق الالتفات، ثم تضطر مع ذلك إلى أن تخفف من لمعانه حتى لا تؤذيه العيون قبل أن يشتد، هذا من الشدائد الخفية التي لا يراها كثيرون.

وذات يوم، عاد عبدالملك من مجلسٍ وقد بدا عليه أثرُ إعجاب الناس به.
لم يكن قد تكبر، لكنه حمل في وجهه تلك المسحة التي تعرفها الأمهات إذا قيل لابنهنّ ما يسرّه من الثناء.

فجلست به صفية بعد العشاء، وقالت:
— كيف كان يومك؟
تبسم وقال:
— جيدًا.
— وهل قال لك أحدٌ شيئًا؟
تردد، ثم قال:
— قال بعضهم… إنني أشبه أبي في المجالس.
فابتسمت، لكنها لم تترك الجملة تمر كما تمر على الأمهات الغافلات.
قالت:
— وهل سرّك هذا؟
— نعم.
— وهذا طبيعي.
لكن احذر يا عبدالملك من أمرٍ دقيق.
إذا فرحتَ لأن الناس رأوا فيك خيرًا، فهذا حسن.
أما إذا بدأت تحتاج إلى ثنائهم لتعرف نفسك، فقد وضعت قلبك في يد غير أمينة.

سكت طويلًا.
ثم قال:
— وكيف أعرف نفسي إذن؟
قالت:
— إذا خلوْت بربك،
وإذا رأيتَ نفسك عند الغضب،
وعند من لا يمدحك،
وعند من يظلمك،
وعند من يقدر عليك ولا يراه الناس…
هناك تعرف نفسك.
أما في المجالس، فالناس كثيرًا ما يرون الظاهر.

دخل الكلام فيه دخول الماء في التراب العطشان.
ولما خرج من عندها تلك الليلة، كان أقلَّ افتتانًا بما سمع، وأكثر حذرًا منه.