الجزء التاسع عشر: اقترابُ المُلك

الفصل المئة وواحد وخمسون: سعيد يختبر النار في ابنه

⏱ 1 دقيقة للقراءة 📖 0 كلمة
الفصل المئة وواحد وخمسون: سعيد يختبر النار في ابنه

عرف سعيد أن أشد ما يخافه على عبدالملك ليس الضعف، بل القوة إذا لم تُهذَّب.
فقد رأى في ابنه شجاعةً طبيعية، وبصرًا بالناس، وصدقًا في طلب العدل، وكراهيةً صافية للظلم.
وكل هذه خصالٌ عظيمة… لكنها، إذا لم تُرَبَّ تربيةً دقيقة، صارت بابًا إلى التهور، أو إلى حب الظهور، أو إلى القسوة التي تتخفى في زيّ الحق.

ولذلك، لم يكن يختبره فقط في المجالس التي ينجح فيها، بل في المواضع التي يُخرج فيها ما في نفسه.

خرج معه يومًا إلى أطراف البوسنة، في رحلةٍ بدت في ظاهرها تفقدًا لبعض الأراضي والناس، لكنها كانت في حقيقتها امتحانًا آخر.

كان الطريق موحشًا في بعض نواحيه، ويمر بين غاباتٍ ومرتفعاتٍ وقرى صغيرة، ثم يهبط إلى سهلٍ فيه مجرى ماء ضيق.
وفي موضعٍ من الطريق، رأوا ثلاثة رجالٍ من أتباع السلطة يوقفون فلاحًا عجوزًا، وقد طرحوه على الأرض، وأخذوا يحصون ما معه من غلال، ويصرخ أحدهم في وجهه بلغةٍ فيها احتقار السادة للمستضعفين.

اشتعل الدم في عيني عبدالملك.

كان على ظهر فرسه، ويده تقترب من موضع سيفه أو عصاه أو ما يرافقه من عدة الطريق.
التفت إلى أبيه يريد الإذن أو يريد أن يقرأ في وجهه ما يسمح له بالهجوم.

لكن سعيد لم يندفع كما كان يتوقع.

بل وقف، ونظر، ثم قال بصوتٍ منخفض:
— لا تتحرك.

تجمد عبدالملك، وقد صدمه الأمر أكثر من المشهد نفسه.

همس:
— يظلمونه!
قال سعيد:
— أراه.
— فلماذا…؟
— لأنك إن تحركت الآن وحدك بما في قلبك من نار، أنقذت هذا الرجل ساعة، وربما أحرقت بعده عشرة بيوت.
ثم أضاف:
— انظر أولًا.

فنزل سعيد عن فرسه ببطء، ومشى نحوهم في سكينة من يعرف أين يضع هيبته.
كان معه رجال يعرفونه، وبعضهم له حضورٌ لا يخفى.
ولما اقترب، تغيرت نبرة أولئك الثلاثة سريعًا.
فهم يعرفون من هذا البيت ما يعرفون.

سألهم بهدوء:
— ما الذي يجري؟
قال أحدهم بارتباكٍ خفي:
— تفتيش… أمرٌ عادي.
قال:
— والتفتيش العادي يبدأ بطرح الشيوخ على التراب؟
سكت الرجل.

ثم ما لبث أن استوى المشهد على صورة أخرى.
لم يضرب سعيد أحدًا.
لم يصرخ.
لكنه أخذ الرجل العجوز من الأرض، وسأل عن اسمه وحقه، وكتب ما ينبغي كتابته، وجعل من الواقعة مسألةً ستصل إلى موضعها الذي يؤذي الفاعلين أكثر مما كان سيفٌ سريع يفعل.

ولما ركبوا من جديد، كان عبدالملك يغلي.

قال:
— ما زلت أرى أن الضرب كان أولى.
فقال سعيد:
— نعم، لو كنت تبحث عن شفاء غضبك.
أما إذا كنت تبحث عن حفظ الطريق، فلا.

ثم التفت إليه، وعيناه جادتان على نحوٍ نادر:
— يا عبدالملك، إن أردت أن تحكم يومًا، فاعلم أن كثيرًا من اللحظات ستُهان فيها نفسك للحق، لا لضعفك.
سترى ظلمًا تستطيع أن تضربه، لكنك إن ضربته في تلك اللحظة بالذات فتحت بابًا أعظم من ظلم رجلٍ واحد.
والقائد الذي لا يملك أن يضبط نفسه حين يهيج الحق في صدره، قد يهلك الحق نفسه من حيث أراد نصره.

سكت عبدالملك طويلًا.

ثم قال:
— إذن، كيف أعرف متى أبطش ومتى أمسك؟
قال سعيد:
— إذا كان بطشك يردع الشر ويحفظ الناس من شرٍّ أكبر، فله موضعه.
وإذا كان بطشك يريح نفسك ويشعل نارًا أكبر، فهو هوىً متلبسٌ بزيّ العدل.

وكان هذا من أشد الدروس التي دخلت قلب الفتى.
لأنها لم تنزع منه النار، لكنها علّمتها أن تنتظر العقل.

ولما عاد إلى البيت تلك الليلة، لم يطل الكلام.
دخل على أمه، وجلست تنظر إليه، فعرفت من وجهه أنه خرج اليوم من امتحانٍ لم يكن سهلًا على طبعه.

قالت:
— رأيتَ شيئًا أثقل منك؟
قال:
— رأيتُ نفسي أكثر مما رأيتُهم.

فهمت، ولم تسأله المزيد.
بل قالت فقط:
— هذه أول علامة نضج الخير في الرجل.