الجزء الثامن عشر: أوّل الظهور

الفصل المئة وسبعة وأربعون: أول اهتزاز كبير مع السلطة

⏱ 1 دقيقة للقراءة 📖 0 كلمة
الفصل المئة وسبعة وأربعون: أول اهتزاز كبير مع السلطة

ما دام النفوذ يزداد، والناس تزداد مودتهم، والأوقاف تمتد، واسم البيت يصير ثقلاً في البوسنة، فلا بد أن تشعر السلطة الكافرة أو المتسلطة أن هناك شيئًا يخرج من بين أيديها ببطء.

ولم يكن أول الاحتكاك على هيئة معركة مفتوحة، بل على هيئة تضييقٍ مقصود، واستدعاءات، وتفتيشٍ في الأموال، وتساؤلات حول مجالس الرجال، ومطابخ الفقراء، ودور النساء، وطرق توزيع العطاء.

وجاءهم يومٌ استُدعي فيه سعيد إلى مجلس رجل من أهل السلطة القائمة، معروفٍ بالريبة والتعالي.

لم يذهب وحده.
أخذ معه بعض خاصته، وكان عبدالملك حاضرًا في أول هذه المرات بوصفه شاهدًا لا بوصفه متكلمًا.
أراد له سعيد أن يرى كيف يُواجه الخبث حين لا يكون السيف هو الجواب.

دخلوا مجلس الرجل، وكان في طريقته ما في أمثال هؤلاء من ازدراء القوة الهادئة.
سأل عن المال،
وعن الاجتماعات،
وعن سبب التفاف الناس حولهم،
وعن دور النساء كأنها موضع شبهة،
وعن المطابخ كأنها ستار لشيء آخر.

وكان عبدالملك يشتعل من الداخل، لكنه يرى أباه هادئًا، ثابتًا، يجيب بقدر ما يجب، ولا يفتح للخصم بابًا يجعله يتمدد، ولا يعطيه كذلك الضعف الذي يطمعه.

وحين خرجوا، قال عبدالملك، وقد اشتدت نفسه:
— لِمَ لم تردّ عليه بما يستحق؟
نظر إليه سعيد وهو يمشي:
— لأن الرجل لم يكن يسأل ليعرف، بل يسأل ليستخرج مني ما يبني عليه أذىً أكبر.
فإذا أعطيته ما يريد، فرحت نفسي ساعة وغضبت، وخسرتُ بعدها أكثر.
ثم أضاف:
— الشجاعة يا عبدالملك ليست فقط أن تقول للظالم: أنت ظالم.
بل أن تعرف متى تقولها، وكيف تقولها، ولأي غاية تقولها.

قال عبدالملك:
— لكنني كرهتُ هدوءك معه.
فابتسم سعيد ابتسامةً فيها بعض الحزن الجميل:
— وستفهم يومًا أن بعض الهدوء ليس لينًا، بل حفظٌ للضربة الكبيرة حتى لا تضيع في موضعٍ صغير.

وحفظ عبدالملك ذلك، لكن نفسه لم تهدأ بسهولة.
وهنا عرفت صفية أن مرحلة ابنها القادمة لن تكون صراعًا مع الخارج فقط، بل مع نار داخله أيضًا.