الفصل المئة والثلاثون: حين أصبح البيت اسمًا في البلاد
بمرور السنوات، لم يعد الناس في البوسنة يقولون عن سعيد وصفية: “الأسرة القادمة” أو “البيت الوافد” أو “أهل البوسنة الجدد”.
بل صار لهم اسمٌ آخر:
بيت العدل والستر.
وما من اسمٍ أحبّ إلى سعيد وصفية من هذا الاسم، لأنه لم يجئ من ألقاب السلطة، ولا من مدح الشعراء، بل جاء من ألسنة الأرامل، والتجار، والوجهاء الصادقين، والعلماء، والفقراء، ومن بيوتٍ رأت أثرهم قبل أن ترى وجوههم.
صار للتجار معهم رأيٌ يسمعونه.
وللعلماء مجلسٌ يجدون فيه كرامة.
وللنساء دار.
وللأيتام مأوى.
وللطرق أمنٌ أكثر مما كان.
وللزُّرّاع من يخفف عنهم بعض ما كانوا يحملونه.
ولم يكن هذا كله حكمًا بعد، لكنه كان بنية حكم.
بنيةٌ إذا جاء يومها، لم تهبط على الناس من السماء فجأة، بل وجدوها ممتدةً في حياتهم منذ سنين.
وكان سعيد يعرف قيمة هذا كله.
وكان يقول لصفية:
— إذا جاء اليوم الذي يحتاج فيه الناس أن يختاروا بين رجلٍ يعرفونه في خبزهم ودوائهم وأمنهم، وبين سلطانٍ لا يعرفونه إلا في ضرائبه وجنده، فلن يحتاروا طويلًا.
فتقول صفية:
— نعم.
لكن احذر أن نغترّ بحبهم.
فالحب إذا لم نُطهره من هوى النفوس، تحوّل في قلوبنا إلى صنم.
فيبتسم، ويقول:
— ولهذا أنتِ في هذا البيت.
وكان الأبناء يرون كل هذا ويتشربونه.
عبدالملك يرى أباه بين الرجال، وأمه بين النساء، ويرى كيف تعود الأخبار كلها في الليل إلى ميزانٍ واحد عندهما.
أحمد ومحمد يريان كيف أن القرآن الذي يحفظانه ليس معزولًا عن الناس، بل ينعكس في الرحمة والعدل.
عبدالله يزداد فهمًا للشبكات التي تربط الناس بعضهم ببعض.
والبنات يرين كيف تدخل المرأة موضعها في المجتمع من باب الشرف والعمل، لا من باب الزينة فقط.
وهكذا، لم تعد تربيتهم دروسًا منفصلة عن العالم، بل صار البيت نفسه كتابًا مفتوحًا يقرأون فيه ما سيصيرون إليه.