الجزء السادس عشر: زمنُ التربية الكبرى

الفصل المئة وسبعة وعشرون: البنات… مدرسة البيوت الكبرى

⏱ 1 دقيقة للقراءة 📖 0 كلمة
الفصل المئة وسبعة وعشرون: البنات… مدرسة البيوت الكبرى

لم تكن صفية تغفل عن بناتها كما تفعل بيوت كثيرة إذا امتلأت بالذكور ومشاريعهم ومجالسهم.
بل كانت ترى في البنات نصف البنيان الذي لا يظهر في التاريخ كثيرًا، لكنه هو الذي يمنع التاريخ من أن ينهار من داخله.

فبدأت معهن مبكرًا مدرسةً من نوع آخر.

ليست مدرسة القراءة والقرآن فقط — وإن كان هذا أصلًا — بل مدرسة الهيئة والستر وحسن الدخول على الناس وفهم البيوت والقدرة على حمل المعنى من غير صخب.

كانت تقول لمريم الكبرى:

— من فهمت قلوب النساء، استطاعت أن تصنع في المجتمع ما لا يراه الرجال في المجالس.
وكانت تقول لخديجة:
— الوقار لا يعني أن تكوني جدارًا بلا روح، بل أن يكون فيكِ ثباتٌ إذا اضطرب من حولك.
وكانت تقول لعائشة:
— الحركة نعمة إذا عرفتِ موضعها، وفتنة إذا صارت طلبًا دائمًا لأن تُرى.
أما فاطمة، فكانت صفية إذا نظرت إليها كثيرًا، ثم سكتت، شعرت في داخلها أن لهذه البنت شأنًا أبعد مما يظهر الآن.

وذات يوم، جلست صفية ببناتها، والنساء حولهن، وجعلت كل واحدة تخيط شيئًا أو تمسك بشيء من العمل.
فقالت لهن:

— أريدكن أن تعلمن من الآن أن المرأة إذا دخلت بيتًا عظيمًا لا يصير عظيمًا لأجلها وحدها، ولا يضيع بها وحدها.
إنما تعظم أو تضيع بما تحمل إلى البيت من عقلها، وحفظها، ولسانها، وصدقها، وصبرها على مواضع لا يراها كثير من الناس.

سألتها عائشة، وكانت أسرعهن سؤالًا:
— وهل ندخل بيوتًا عظيمة يا أمي؟
نظرت إليها صفية، وابتسمت ابتسامةً لم ترد أن تكشف فيها كثيرًا:
— إذا أراد الله لكنّ، دخلتن بيوتًا تعرفن كيف تحفظنها، سواء كانت عظيمة عند الناس أو عظيمة عند الله.

لكنها، في داخلها، كانت تعلم أن الرؤيا تحدثت عن زيجاتٍ ستربط بعض بناتها ببيوت حكام، وولاة، ورجال دولة.
غير أنها لم تشأ أن تُربى البنات على انتظار الأزواج والمقامات، بل على أن يصِرن أهلاً لكل مقامٍ إن جاء.

وكانت هذه حكمة دقيقة في صفية:
أن تُربّي الإنسان على الجدارة، لا على التطلع الفارغ.