الجزء السادس عشر: زمنُ التربية الكبرى

الفصل المئة وستة وعشرون: عبدالله… الصامت الذي يجمع ما تفرق

⏱ 1 دقيقة للقراءة 📖 0 كلمة
الفصل المئة وستة وعشرون: عبدالله… الصامت الذي يجمع ما تفرق

إذا كان عبدالملك باب القوة المنضبطة، وأحمد ومحمد بابي القرآن والعلم، فإن عبدالله صار يزداد وضوحًا بوصفه باب الميزان الاجتماعي في البيت.

كان أكثرهم قدرةً على العيش بين أكثر من طبع دون أن يبتلعه أحدها.
فهو يجلس مع عبدالملك، ولا يضيع في حركته.
ويجلس مع أحمد ومحمد، ولا يملّ من هدوئهما.
ويدخل على أخواته، فيعرف كيف يلين لحديثهن من غير أن يفقد وقاره.

وكان إذا اختلف الصغار على أمرٍ، بدا أكثرهم شعورًا بموضع التوتر، حتى لو لم يكن طرفًا فيه.
يقف قليلًا، ثم يتدخل بكلمة أو حركة أو تقسيمٍ يعيد الأمور إلى نصابها.

وذات يوم، كان عبدالملك قد عاد من تدريبٍ شديد مع بدر الدين، وفي نفسه حماسة وقوة.
فدخل البيت، ورأى شيئًا من محمد لم يعجبه، فكلمه بحدةٍ لم تتناسب مع الأمر.
فسكت محمد، وتوجع في صمته.
وكان أحمد حاضرًا فتأثر للمشهد.
وهنا تقدم عبدالله، وكان أصغر من أن ينظر إليه الناس بوصفه صاحب حكم، لكنه قال لعبدالملك:

— لو كنتَ قويًّا كما تريد، لما احتجت إلى رفع صوتك على من لا يرفع صوته عليك.

سكت عبدالملك.
ليس لأنه قُهر، بل لأن العبارة أصابت فيه موضعًا يعرفه.

وحين أخبر سعيدًا بذلك، لم يضحك كما يضحك الآباء لظرف أبنائهم، بل قال:

— هذا هو الذي رأته أمكِ.
إنه يمسك بين الخيوط حين تشتد.

ومنذ ذلك اليوم، بدأ سعيد يُدخله أحيانًا في مجالس الصلح الصغيرة.
لا بوصفه متكلمًا، بل بوصفه شاهدًا.
يرى كيف يُنزَّل الغضب من رؤوس الناس إلى أيديهم، ثم من أيديهم إلى كلماتهم، ثم من كلماتهم إلى اتفاقٍ أو حكم.
وكان يقول له:

— أكثر ما يفسد الناس أنهم لا يعرفون كيف ينزلون من ذروة شعورهم إلى أرض الكلام العادل.
ومن تعلّم هذا، استطاع أن يحفظ من الدم ما لا يحفظه السيف.

وكان عبدالله يسمع، ويصمت، ويحفظ.
ومع السنين، صار في صمته شيءٌ يريح القلوب، لأنهم يعلمون أنه إذا تكلم بعد صمته لم يتكلم فضلةً.