الجزء السادس عشر: زمنُ التربية الكبرى

الفصل المئة وثلاثة وعشرون: حين خرج الأبناء من الطفولة الأولى

⏱ 1 دقيقة للقراءة 📖 0 كلمة
الفصل المئة وثلاثة وعشرون: حين خرج الأبناء من الطفولة الأولى

كانت السنوات تمضي في البوسنة على هيئة نهرٍ لا يضجُّ، لكنه لا يتوقف.
وفي البيوت التي بُنيت على مقصدٍ كبير، لا تأتي الأعوام لتضيف أرقامًا إلى أعمار الأطفال فقط، بل لتُنزل في أرواحهم طبقاتٍ جديدة من المعنى.

فلم يعد عبدالملك ذلك الصبيَّ الذي يكتفي بتتبع وجوه الرجال بعينيه الواسعتين، بل بدأ يدخل طورًا آخر؛ طور الفتى الذي يريد أن يختبر ما يسمع وما يرى بيده وقدمه ورأيه.
وصار أحمد يتجاوز سكون الطفل إلى سكون التلميذ الذي يأنس للمصحف أكثر مما يأنس للعب الخفيف، وصار محمد يزداد عمقًا في الصمت، حتى إذا تكلم دلّ هدوؤه على أن الكلام عنده يخرج بعد تفكرٍ لا بعد اندفاع.
وأما عبدالله، فقد بدا وكأنما خُلق وهو يحمل شيئًا من نضجٍ يتقدم سنّه، لا يطلب الواجهة، لكنه إذا غاب عن المشهد اختلّ فيه شيءٌ لا يُفهم سريعًا.
والبنات كذلك، خرجن من الطفولة الساذجة إلى بدايات التكوين الواعي:
مريم تتفتح فيها فطنة القلب،
وخديجة يزداد في وجهها وقارٌ مبكر،
وعائشة تتسع حركتها لتصير حضورًا لا إزعاجًا،
وفاطمة الصغيرة تكبر في هدوءٍ عجيب، كأنها لا تستعجل الكشف عن طباعها، بل تدخرها لسنينها القادمة.

وكان سعيد يقف في قلب هذا المشهد كما يقف ربّان السفينة الذي يعرف أن البحر صار أوسع، وأن الموج الذي كان خفيفًا في زمن الصغر سيشتد كلما تقدمت السفينة نحو عرض البحر.

ولهذا، جمع أبناءه في إحدى الأمسيات، وكان عبدالملك قد بلغ من السن ما يجعله ينصت لا كطفل، بل كفتى في أول الطريق، والآخرون بحسب درجاتهم من الوعي.
جلسوا في المجلس الكبير، الذي عُرف فيه القرآن، والرأي، وأخبار الناس، وأحاديث الأرض، وأخبار القرى، ورائحة الحبر والجلد والخشب، حتى صار المكان نفسه يربّي من يدخله.

نظر إليهم سعيد طويلًا، كأنما أراد أن يحفظ وجوههم في هذه المرحلة قبل أن تأخذهم الأيام بعيدًا عنها، ثم قال:

— يا أبنائي، إن الله إذا أنعم على بيتٍ بكثرةٍ من الخير، فذلك ليس إكرامًا محضًا فحسب، بل امتحان كذلك.
الناس قد يرون فيكم أبناء بيتٍ واسع، ومالٍ، وعلمٍ، ونفوذٍ يزداد، لكنني لا أريد لأحدٍ منكم أن يرى نفسه بهذا الميزان.
أريدكم أن تروا أنفسكم بميزانٍ آخر:
بقدر ما تأخذون من الله، يطالبكم.
وبقدر ما يرفعكم بين الناس، يحاسبكم على الرفق بهم والعدل فيهم.

سكتوا جميعًا.

وكان عبدالملك أكثرهم تثبيتًا للنظر في وجه أبيه.
أما أحمد، فقد خفض رأسه قليلًا كمن يسمع ما يوافق شيئًا كان يتحرك في نفسه.
ومحمد كان يثبت سكونه كعادته، بينما عبدالله ينظر بين أبيه وإخوته كأنما يستمع للكلمات ويستمع معها إلى أثرها فيهم.

قال سعيد:

— من أراد منكم أن يكون كبيرًا، فليتعلم أولًا كيف يحمل ما لا يراه الناس.
فالكبار في هذه الدنيا ليسوا الذين يرفعون أصواتهم، ولا الذين تتسع أسماؤهم في المجالس فقط، بل الذين يقدرون على أن يمسكوا قلوبهم إذا اشتد الأمر، ويعدلوا إذا مال الناس، ويرحموا إذا استقوت أيديهم.

ثم التفت إلى صفية، التي كانت تجلس غير بعيدة، تنظر إلى أولادها كما تنظر الأرض إلى زرعها أول ما يشتد ساقه، وقال:

— من هذه الليلة، لا أريد أن تبقوا في أطوار الصغر كما كنتم.
لكلٍّ منكم بابٌ سيفتح.
ولا أريد أن تفتح الأبواب عليكم قبل أن تعرفوا كيف تدخلونها.

وكانت هذه الليلة، وإن لم يفهمها الأطفال كلهم على درجةٍ واحدة، حدًّا فاصلًا في البيت:
من بعدها لم تعد التربية معنى عامًا يذوب في الأيام، بل صارت منهجًا مقصودًا.