الجزء الخامس عشر: حين بدأت البذور تصير نظامًا

الفصل المئة وواحد وعشرون: البيت إذا امتلأ لا يضيق

⏱ 1 دقيقة للقراءة 📖 0 كلمة
الفصل المئة وواحد وعشرون: البيت إذا امتلأ لا يضيق

كثرت الأبناء.
كبر العمل.
اشتدت المسؤوليات.
وتوزعت الأيام بين البيت، والأرض، والرجال، والنساء، والقرى، والطرق، ومجالس العلم، وتربية الأطفال، والمرض العارض، والسفر القصير، واستقبال الضيوف، وتدبير المال، وإخفاء ما ينبغي إخفاؤه، وإظهار ما ينبغي أن يُرى.

وكان من المتوقع، في مثل هذا الاتساع، أن يدخل الضيق إلى صدر البيت.
لكن الذي جرى كان عكس ذلك.

لم يكن السبب أن الناس فيه ملائكة لا يخطئون، بل لأن الأصل الذي قام عليه لم يكن أصل فوضى.
بل كان أصل قصدٍ، وحبٍّ صادق، وعلم، وصبرٍ على الابتلاء، وعرفانٍ للنعم.

نعم، تعبت صفية.
وتعب سعيد.
واختلفا أحيانًا في بعض التفاصيل.
وغضب الأطفال، ومرض بعضهم، وتزاحمت الأيام، وضاقت الأحوال أحيانًا.
لكن البيت، في جملته، لم يختنق كما تختنق البيوت التي لا تملك روحًا تحرسها.
بل كان يعود في كل مرةٍ إلى أصله.

وذات ليلة، بعد يوم طويل شقَّ على الجميع، جلس سعيد قرب صفية، وكان بعض الأطفال قد ناموا وبعضهم لم يهدأ بعد.
قال:
— أتعلمين ما الذي يخيفني أحيانًا؟
قالت:
— ماذا؟
— أن يكثر العمل خارج البيت حتى لا يبقى للبيت منَّا ما يكفيه.
فأجابته صفية دون تردد:
— وإذا نقص البيت منّا، نقص كل ما يخرج منه بعد ذلك.
نظر إليها طويلًا، وقال:
— ولهذا أحب أن أسمع رأيكِ في كل مرحلة.
لأنني إذا رأيتكِ متماسكة، عرفت أن البيت ما يزال في عافيته.
وإذا رأيتكِ تنهدمين، عرفت أن عليّ أن أوقف شيئًا في الخارج قبل أن ينهار الداخل.

خفضت رأسها قليلًا، وشعرت أن هذه الجملة، رغم بساطتها، من أصدق ما قاله لها.
فهي لم تكن تريد أن تكون فقط المرأة التي تحتمل كل شيء صامتةً حتى تنهار، ثم يقال عنها قوية.
بل كانت تريد أن يكون البيت شريكًا في البناء، لا وقودًا له.

فقالت:
— وأنا أيضًا لا أريد أن يأخذني البيت عن الرسالة، ولا الرسالة عن البيت.
أريد أن أبقى بينهما جسرًا لا ينكسر.
تبسم سعيد، وقال:
— وهذه هي صفية التي أعرفها.