الفصل الحادي والتسعون: بيتٌ تحكمه الفروق لا الفوضى
كان من نعم الله على هذا البيت أن تكاثر الأبناء لم يدخله في الفوضى، بل في مزيدٍ من التنظيم الجميل.
فعبدالملك، وقد جاوز عامه الأول بقليل أو أكثر، صار حاضرًا في البيت حضور الطفل الذي يختبر حدوده ويعرف موضعه.
لم يكن صاخبًا بغير معنى، ولا مدللًا إلى حدٍّ يفسد طبعه، بل كان إذا أُخذ إلى الفناء شدّه الضوء والمساحة والخيل، وإذا أُجلس في المجلس هدأ طويلًا وهو ينظر إلى الرجال وكأن شيئًا في نفسه يأنس بمجالسهم.
أما أحمد، فكان في ملامحه الأولى وفي طبعه ما يؤكد الرقة العميقة التي شعرت بها صفية منذ حملت به.
يسكن على صوت القرآن سكونًا لافتًا، وإذا ارتفعت الأصوات في البيت تضايق سريعًا، وإذا قرأت حفصة الواعظة أو مريم أمها شيئًا من القرآن أو السيرة، نام كأن الكلمات نفسها تهدهده.
والآن، مع الحمل الجديد، بدأ البيت كله يتعامل مع صفية لا بوصفها امرأةً تحمل مرةً أخرى فحسب، بل بوصفها محورًا تتجمع حوله الطبقات المختلفة من المسؤولية.
كانت مريم تقول لها:
— لا تدعي الحمل الثالث يأكلكِ عن طفليكِ الأولين.
وكانت فاطمة أم سعيد تقول:
— ولا تدعي الطفلين الأولين يأكلان حق الحمل من الراحة.
وكانت رشيدة تضيف:
— العدل بين الأبناء يبدأ قبل الولادة أحيانًا، حين تعرف الأم كيف تُبقي قلبها واسعًا للجميع من غير أن تنسى نفسها.
وذات ليلة، جلست صفية تعدل نوم أحمد، وعبدالملك عند طرف فراشها يعبث بطرف الغطاء، فقالت لسعيد:
— أحيانًا أحس أن لكل واحدٍ منهم مفتاحًا مختلفًا.
قال:
— وهذا صحيح.
— فأخاف أن أُحسن مع واحدٍ فأظلم آخر.
— لن تظلمي ما دمتِ ترين الفروق.
الظلم يبدأ حين نتعامل مع المختلفين كأنهم صورة واحدة، لأن ذلك أريح لنا، لا لأن ذلك أصلح لهم.
ثم نظر إلى عبدالملك، وقال:
— هذا يحتاج أن نعلّمه متى يكفّ عن الاندفاع إلى ما يريد أن يلمسه.
ونظر إلى أحمد:
— وهذا يحتاج أن نمنحه من الطمأنينة ما يحفظ قلبه من أن يضيق بسرعة.
ثم وضع يده على بطنها وقال:
— وأما هذان، فلنا معهما بابٌ جديد.
تبسمت صفية، وقالت:
— بابان.
فأجاب:
— نعم… بابان.