الجزء التاسع: ولادة النور الثاني

الفصل الرابع والثمانون: اتساع الدار واتساع الرؤية

⏱ 1 دقيقة للقراءة 📖 0 كلمة
الفصل الرابع والثمانون: اتساع الدار واتساع الرؤية

بعد عودة صفية بالولد الثاني، بدا البيت في بخارستان وكأنه دخل مرحلةً أخرى من النضج.

لم يعد بيتًا ينتظر أن يبدأ، بل بيتًا بدأ فعلًا.
طفلان في الدار.
أبٌ وأمٌّ يعرفان أكثر من ذي قبل ماذا يريدان.
جدٌّ وجدةٌ وأخوالٌ وعمّاتٌ ونساءٌ صالحات يحيطن بالنشأة الجديدة.
وعلماء ومربون وفرسان يترددون على الدار أو يقيمون في أطرافها.
وأرض تكبر، ومخازن تُملأ، وإسطبل يتهيأ، ومجالسٌ يكثر فيها الحديث عن المستقبل من غير تهويم.

كان أحمد في طبعه الأولى أقرب إلى السكون.
إذا بكى، بكى بوضوح، ثم سكت سريعًا إذا حُمل على نحوٍ مطمئن.
أما عبدالملك، فكان أكثر حركة، لكن لا على صورة الفوضى، بل على صورة الطفل الذي يريد أن يختبر العالم كله بيديه وعينيه.

وذات صباح، كان عبدالملك يحاول أن يبلغ رفًا منخفضًا في المجلس، فوقه مصحف وكتاب، فمنعته صفية خشية أن يوقع الأشياء.
فدخل تقي الدين، ورآهما، فقال:
— دعيه.
قالت:
— سيعبث مرة أخرى.
قال:
— ليدخل بيت العلم من باب الفضول خير من أن يدخل عليه من باب الغربة.

ثم حمل عبدالملك، ووضعه قرب الرف، وأراه الكتاب بيده، وقال:
— هذه لك يوم تكبر، فتعلم أنها ليست زينة المجلس فقط.

أما أحمد، فكان لا يزال صغيرًا على مثل هذا، لكنه إذا سمع القرآن سكن على نحوٍ يلفت الأنظار.
كانت حفصة الواعظة تقرأ أحيانًا في غرفة النساء، فيسكن الصغير على صدر أمه كأنما تهدأ حركته كلها.
فقالت صفية يومًا:
— هذا الولد يسمع بقلبه.
فردت حفصة:
— وبعض السامعين يُعطى من أول عمره أذنًا تصلها المعاني قبل الألفاظ.

وكانت هذه الفروق الصغيرة بين الولدين تتراكم في ذهن الأم والأب، لا لتصنع تفضيلًا، بل لتصنع فهمًا.
فالتربية الحكيمة لا تعني أن يُربّى الجميع بالطريقة نفسها تمامًا، بل أن يُعرف لكل روحٍ بابها، مع بقاء الأصل واحدًا من الدين والكرامة والانضباط.