الفصل التاسع والسبعون: الرحلة الثانية إلى المدينة
حين اقتربت شهور الحمل من نهاياتها، عاد الشعور القديم يطرق قلب صفية من جديد، لكن هذه المرة كان أوضح، وأرسخ، وأهدأ.
لم يكن مجرّد ميلٍ عاطفي إلى المدينة، ولا حنينًا إلى موضعٍ صارت له في نفسها معانٍ كثيرة، بل كان يقينًا هادئًا أن أحمد أيضًا ينبغي أن يخرج إلى الدنيا هناك.
كان عبدالملك يومها قد تجاوز طور الرضاعة المحضة، وصار طفلًا يلتقط الأشياء بعينيه الصغيرتين على نحوٍ يثير العجب.
يمشي خطواتٍ قصيرةً ثم يسقط، ويقوم دون بكاءٍ كثير، ويحدق في الوجوه كأنه لا يكتفي بالنظر إلى ملامحها، بل يريد أن يفهم ما وراءها.
وكانت صفية، كلما رأت ولدها الأول يتماسك أكثر، شعرت أن رحمها يتهيأ لولدٍ ثانٍ سيجيء هذه المرة لا ليعلن فقط استمرار الوعد، بل ليضيف عليه طابعًا آخر: طابع المسجد، والقرآن، والسكينة التي تسكن في أصوات التلاوة.
وذات ليلة، بعدما نام عبدالملك، جلست صفية في مجلسها الصغير، وسعيد إلى جوارها، والهدوء يملأ البيت، إلا من صوت ريحٍ لطيفة تمسّ نوافذ بخارستان.
قالت له:
— لقد عاد الشعور.
نظر إليها، وقد كان يعرف ما تعنيه قبل أن تكمل:
— المدينة؟
أومأت:
— نعم.
ثم وضعت يدها على بطنها، وأردفت:
— لا أستطيع أن أشرح لك هذا جيدًا… لكنني أشعر أن أحمد، منذ الآن، ينجذب إلى هناك كما انجذب أخوه من قبل.
تبسم سعيد ابتسامةً متأملة:
— لعل الله يربط خيوط أقدارهما الأولى بالمدينة، كلٌّ على وجهه.
قالت:
— عبدالملك وُلد فيها كأنما أراد الله أن يردّ إلى الموضع شيئًا سُلب منه.
وأحمد… أشعر أنه يولد هناك ليبدأ صلته بالحرم قبل أن يعرف الكلام.
سكت سعيد قليلًا، ثم قال:
— إذن نذهب.
قالتها صفية بعينين امتلأتا امتنانًا:
— هكذا ببساطة؟
— ما دام قلبكِ مطمئنًا، وما دمنا وجدنا في المرة الأولى خيرًا وبركة، فلماذا أُعارض ما قد يكون من لطف الله بكِ وبه؟
ثم أضاف، وهو ينظر إلى عبدالملك النائم في الجانب الآخر:
— هذه البيوت لا تُبنى بالعناد بين الزوجين، بل بأن يسمع كل واحدٍ منهما ما يضعه الله في قلب الآخر.
وفي الصباح، اجتمعوا مع تقي الدين ومريم وفاطمة.
قالت مريم:
— كأن المدينة كتب الله لها أن تحمل أول خطى أولادكِ إلى الدنيا.
وقالت فاطمة، وهي تمسح على كتف صفية:
— اذهبي وأنتِ مطمئنة.
فما خرج خيرٌ من مدينة رسول الله إلا وفيه بركة، وما وُلد على مقربة من نوره إلا وكان له في القلب وقعٌ خاص.
أما تقي الدين، فجلس صامتًا قليلاً، ثم قال:
— اذهبي يا ابنتي، وليكن ذهابكِ هذه المرة أخف من الأولى، فقد ذهبتِ في المرة الماضية بامرأةٍ تحمل خوفًا وذكرى، أما الآن فتذهبين بأمٍّ تعرف الطريق، ويصحبها زوجٌ يعرف كيف يحرسها.
وهكذا تهيأت الرحلة الثانية.
ولما جاء يوم السفر، خرجت صفية من الدار، وعبدالملك بين يدي فاطمة أو في يد مريم يودع أمه بعينيه الواسعتين، لا يفهم ما يحدث، لكنه يحسّ بتغيّر الجو.
كانت صفية تطيل النظر إليه، وتقاوم رغبةً في أن تعود فتعانقه مرةً أخرى ثم مرةً أخرى، حتى قال لها سعيد:
— سيظن الفتى أنكِ راحلة أعوامًا لا أيامًا.
فابتسمت في دمعٍ خفيف:
— كل أمٍّ ترى فراق طفلها يومًا واحدًا غربة.
فقال:
— ويعود إليكِ ومعه أخوه.
وهكذا، خرجت من بخارستان مرةً ثانية، لا امرأةً تبحث عن أصلها هذه المرة، بل أمًّا تذهب لتأتي بولدها الثاني من المدينة.